ومعنى الآيةِ: قُل يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّة: أُوحِيَ إلَيَّ أنه استمعَ إلى القرآنِ طائفةٌ من الجنِّ، فلمَّا رجَعُوا إلى قومِهم قالُوا: يا قومَنا"إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا"بعدَ هذا اليومِ؛ أي لا نتَّبعُ إبليسَ في الشِّركِ،"وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا"؛ هذا من قولِ الجنِّ لقَومِهم، معطوفٌ على قولهِ"إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا"وإنَّهُ تعالَى جَدُّ ربنا وعظَمتهُ عن أنْ يتَّخِذ صاحبةً أو ولدًا، وهذا كما يقالُ: فلانٌ أعظمُ وأجَلُّ مِن أن يفعلَ كذا وكذا، فالْجَدُّ: الْعَظَمَةُ، وقال الحسنُ: (مَعْنَى الْجَدِّ فِي هَذِهِ الآيَةِ الْغِنَى) ومنهُ قولهم في الدُّعاء:"وَلاَ يَنْفَعُ ذا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"أي لا يَنْفَعُ ذا الغِنَى منكَ غناهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا"؛ والمرادُ بالسَّفيه في هذه الآيةِ إبليسَ، وَقِيْلَ: مَن كان لا يؤمنُ من الجنِّ، وسَفَهُهُ أنْ جعلَ للهِ صاحبةً وولدًا. والشَّطَطُ: السَّرَفُ في الخروجِ عن الحقِّ، وسُمي القولُ البعيدُ مِن قولهم: شَطَطَتِ الدَّارُ إذا بَعُدَتْ. وَقِيْلَ: الشَّطَطُ: الكذبُ والجورُ، وهو وصفهُ بالشريكِ والولدِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا"؛ أي قالتِ الجنُّ: إنا ظنَنَّا أنَّ الإنسَ والجنَّ كانوا لا يكذِبُون على اللهِ بأنَّ له شَريكًا وصاحبةً وولدًا حتى سَمعنا القرآنَ وتبَيَّنا الحقَّ منه.