وقَوْلُهُ تَعَالَى:"ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ"؛ أي ثُمَّ أعرضَ عن قَبولِ القرآنِ واتِّباع الرسولِ وتَعَظَّمَ من الإيمانِ،"فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ"؛ أي قالَ ما هذا القرآنُ إلاَّ سحر يُروَى عن السَّحَرةِ؛ أي يَأْثُرُهُ مُحَمَّدٌ عن غيرهِ، وذلك أنه كَرِهَ أن يقولَ إنَّ مُحَمَّدًا ساحرٌ، فيَغْضَبُ بنو هاشمٍ، فقالَ: إنما السِّحْرُ في الأعاجمِ، وهذا إنما يَأْثُرُ السحرَ عن غيرهِ، وكان يقولُ في القرآنِ: ما هو سحرٌ ولا كهانة ولكنَّهُ سِحرٌ يُؤثَرُ عن قولِ البشرِ؛ أي يُحكَى بينهم. ومعنى قولهِ تعالى:"إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ"؛ يعني أنه كلامُ الإنسِ وليس من عند اللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"سَأُصْلِيهِ سَقَرَ"؛ أي سأُدخِلهُ وألزِمهُ في الآخرةِ سَقَرَ بما فعلَ، واستكبرَ عن قبولِ الحقِّ، وسَقَرَ اسمٌ من أسماءِ النار، وهي مَعرِفَةٌ مُؤنَّثة، فلذلك لَمْ تَنصَرِفْ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ"؛ تعظيمٌ لأمرِها، وإنما سُميت بهذا الاسمِ لشدَّة إيلامِها من قولِهم: سَقَرَتْهُ الشمسُ إذا آلَمَتْ دِمَاغَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ"؛ أي لا تُبقِي لَحمًا ولا تذرُ عَظمًا، وعن مجاهدٍ: (( لاَ تُبْقِي مَنْ فِيهَا حَيًّا وَلاَ تَذرُهُ مَيْتًا ) ).
وقولهُ تعالى:"لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ"؛ أي مُغيِّرَةٌ للجلدِ حتى تجعله أسْوَدَ، يقالُ: لوَّحَتْهُ الشمسُ، وَلاَحَهُ السَّقَمُ والْحُزْنُ إذا غيَّرهُ. قِيْلَ: إنَّها تغيِّرُ الجلدَ حتى تدعَهُ أسودَ سوَادًا من الليلِ.