وقولهُ تعالى:"فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ"؛ يعني فرَّت من الأسدِ، قال ابنُ عباس: (( الْحُمُرُ الْوَحْشِيَّةُ إذا عَايَنَتِ الأَسَدَ هَرَبَتْ مِنْهُ ) )كذلك هؤلاءِ المشركون إذا سَمعوا النبيَّ"يقرأُ القرآنَ هرَبُوا منه، وقال الضحَّاك ومقاتلُ: (( الْقَسْوَرَةُ: الرُّمَاةُ الَّذِينَ يَرْصُدُونَهَا، لاَ وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ) )."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً"؛ قال المفسِّرون: إن كفَّار مكة قالوا للنبيِّ":لتصيحَ قريشٌ عند رأسِ كلِّ رجُلٍ هذا كتابٌ منشور من اللهِ يأتيكَ رسولهُ يؤمر فيه باتِّباعِكَ."
والصُّحف جمعُ صحيفةٍ: و (مُنَشَّرَةً) معناهُ: مَنشُورةً، وَقِيْلَ: معناهُ: بل يريدون بإفراطِ جهلهم أنْ يُعطَى كلُّ واحد منهم كِتَابًا من السَّماء مفتوحًا: هذا كتابٌ من فلانٍ إلى فلان بأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخِرَةَ"؛ معناهُ: كلاَّ لا يُؤتَون الصُّحف ولا يكون لَهم ذلك، بل هم لا يَخافون الآخرةَ حين لم يُؤمنوا بها، ولو خَافوا ذلك لما اقترَحُوا الآياتِ بعد قيام الدَّلالة.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ"؛ أي حَقًّا إنَّ القرآن عِظَةٌ من اللهِ تعالى،"فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ"؛ أي اتَّعظَ به،"وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ"؛ وما يتَّعظون إلاّ أن يشاءَ اللهُ ذلك لهم، وَقِيْلَ: لهم المشيئة. وَقِيْلَ: إلاَّ أنْ يشَاءَ اللهُ لهم الْهُدَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى"؛ أي هو أهلٌ أن يُتَّقَى فلا يُعصَى، ولا يُجعَلَ معه إلهٌ آخر،"وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ"؛ يَغفِرُ لِمَن اتَّقَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أنا أهلٌ أنْ أتَّقى فلا يُجعلَ معي إلهٌ، فمَن اتَّقى أن يجعلَ معي إلهًا فإنِّي أهلٌ أن أغفرَ له، وقال قتادة: (( هُوَ أهْلٌ أنْ تَتَّقِي مَحَارمَهُ، وَأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ ) ).