والْكَفْتُ في اللُّغة الضمُّ، وسُمِّي الوعاءُ كِفَاتًا بكسرِ الكاف لأنه يضمُّ الشيءَ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على وجوب مُوَارَاةِ الميِّت ودفنهِ ودفنِ شعره وسائرِ ما يُزَايلهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ"؛ أي جبالًا ثوابتَ، والشامخاتُ الطِّوالُ العالِيَاتُ المرتفعات جُعلت أوْتَادًا للأرضِ فسَكَنَتْ بها، وكانت تَمُورُ كالسَّفينة لا تستقرُّ على الماءِ إلاَّ بمِرْسَاةٍ تثقلها،"وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتًا"؛ أي عَذْبًا حُلوًا غيرَ ملحٍ ولا أجٍّ،"وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ"؛ بنِعَمِ اللهِ التاركين لشُكرِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"انطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ"؛ معناهُ: ويقال لهم يومَ القيامة، تقولُ لهم الْخَزَنَةُ: انطلقوا إلى العذاب الذي كُنتم به تكَذِّبون في الدُّنيا أنه لا يكون،"انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ"؛ أي انطلِقُوا إلى دُخان من جهنَّم قد سطعَ، ثم افترقَ ثلاثَ فِرَقٍ، وهو قولهُ"ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ"شُعْبَةٌ فوقَهم، وشعبةٌ عن يمينِهم، وشعبةٌ عن شمالهم. وذلك أنه يخرجُ لسانٌ من نارٍ فيحيطُ بهم فيُحبَسون إلى أنْ يُسَاقوا النار أفوَاجًا أفواجًا، قال إبراهيمُ النخعيُّ: (( هَذا الظِّلُّ مَقِيلُ الْكُفَّار قَبْلَ الْحِسَاب ) )، والمعنى: انطلِقُوا إلى ظلٍّ ذي ثلاثِ شُعب فكونوا فيه إلى أن يفرغَ من الحساب.
ثم وصفَ اللهُ ذلك الظلَّ فقال:"لاَّ ظَلِيلٍ"؛ أي لا يُظِلُّ من الحرِّ،"وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ"؛ أي ولا يردُّ عنكم لَهب جهنَّم؛ أي إنَّهم إذا استظَلُّوا بذلك الظلِّ لم يدفَعْ عنهم من حرِّ النار شيئًا، فأما المؤمنون فيُقبلُونَ في الجنةِ كما قال تعالى:"أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا" [الفرقان:24] .