وعن مالكِ بن دينار قالَ: (( دَخَلْتُ عَلَى جَارٍ لِي، وَقَدْ نَزَلَ بهِ الْمَوْتُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: جَبَلَيْنِ مِنْ نَارٍ جَبَلَيْنِ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَا تَقُولُ؟! قَالَ: يَا أبَا يَحْيَى كَانَ لِي مِكْيَالاَنِ أكِيلُ بأَحَدِهِمَا وَأكْتَالُ بالآخَرِ، قَالَ: فَقُمْتُ فَجَعَلْتُ أضْرِبُ أحَدَهُمَا بالآخَرِ، فَقَالَ: يَا أبَا يَحْيَى كُلَّمَا ضَرَبْتَ أحَدَهُمَا بالآخَرِ ازْدَادَ عَلَيَّ عِظَمًا، قَالَ: فَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ذلِكَ ) ).
وقال عكرمةُ: (( اشْهَدُواْ عَلَى كُلِّ كَيَّالٍ وَوَزَّانٍ أنَّهُ فِي النَّار ) )، قِيلَ: إنَّ ابْنَكَ كَيَّالٌ أوْ وَزَّانٌ، قَالَ: (( اشْهَدُوا أنَّهُ فِي النَّار ) ). وكان ابنُ عمرَ يَمُرُّ بالْبَائِعِ فَيَقُولُ لَهُ: (( اتَّقِ اللهَ وَأوْفِ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بالْقِسْطِ؛ فَإنَّ الْمُطَفِّفِينَ يُوقَفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى أنَّ الْعَرَقَ لَيَلْجُمُهُمْ إلَى أنْصَافِ آذانِهِمْ ) ). ومرَّ عَلِيٌّ رضي الله عنه عَلَى رَجُلٍ يَزِنُ الزَّعْفَرَانَ فَقَالَ: (( أقِمِ الْوَزْنَ بالْقِسْطِ، ثُمَّ أرْجِحْ بَعْدَ ذلِكَ مَا شِئْتَ ) ).
قَوْلُهُ تَعَالَى:"كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ"؛ أي ليس الأمرُ على ما يظُنون أنَّهم لا يُبعثون ليومٍ عظيم، وَقِيْلَ: إن (كَلاَّ) هاهنا كلمةُ ردعٍ وزَجرٍ؛ أي ارتَدِعوا عن التطفيفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ"يعني الكتابَ الذي يُكتَبُ فيه أعمالُهم، قال ابنُ عبَّاس: (( السِّجِّينُ صَخْرَةٌ سَوْدَاءُ تَحْتَ الأَرْضِ السَّابعَةِ، وَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا الأَرْضُونَ، مَكْتُوبٌ فِيهَا عَمَلُ الْفُجَّار ) ). عن رسولِ الله"أنَّهُ قالَ:"سِجِّينُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ، وَالْفَلَقُ جُبٌّ فِي النَّار مُغَطَّى"."