وَقِيْلَ: ألْهَمَ كلَّ حيوانٍ ما يحتاجُ إليه في أمرِ معيشته، وعرَّفَهُ كيف يأتِي الذكرُ الأنثَى، وجعلَ الهدايةَ في قلب الطفل حتى طلبَ ثديَ أُمِّه، وميَّزه من غيرهِ، وهدَى الفرخَ لطلب الرزق، وهدى الأنعامَ لمراتعِها. وَقِيْلَ: معنى قولهِ"وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى"أي قدَّرَ مدَّة الجنين في الرحمِ تسعةَ أشهر، أو أقلَّ أو أكثرَ، فهدى للخروجِ من الرَّحِم. وَقِيْلَ: قدَّرَ الأرزاقَ وهداهم لطلبها. وَقِيْلَ: الذنوبَ على عبادهِ وهَدَاهُم للتوبة. وَقِيْلَ: قدَّرَ الخلقَ على صُوَرهم، وعلى ما جرَى لهم من الأرزاقِ، فهَدَاهُم إلى مَعرفةِ توحيدهِ. قرأ الكسائيُّ والسلمي (قَدَرَ فَهَدَى) مخفَّفًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى"؛ أي أنبتَ الكلأَ الأخضر بالمطرِ للبهائم، ثم،"فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى"؛ معناهُ: فجعل النبتَ بعد الْخُضرَةِ هَشيمًا يابسًا بَاليًا كالغُثاء الذي يقذفهُ السَّيل على جنَبات الوادِي، وقولهُ تعالى:"أَحْوَى"أي أسودَ، وقد يدخلُ النبت الأحوَى لحاجةِ البهائم إليه، وقد يكون حَطبًا للناسِ، وهذا كلُّه إخبارٌ عن قدرةِ الله تعالى وإنعامِه على العبادِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى"؛ أي سيُقرِؤكَ جبريلُ القرآنَ بأمرِنا فلا تنساهُ، فلم ينسَ النبيُّ"حَرفًا من القرآنِ بعد نُزول هذه الآيةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ"؛ أي إلاَّ ما شاءَ الله أن تنساهُ، وهو ما نُسِخَتْ تلاوتهُ، فنأمُرك ألاَّ تقرأهُ حتى تنساهُ على وجهِ الأيام، وهذا نيسانُ النَّسخ دون التضييعِ."