قَوْلُهُ تَعَالَى:"بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا"؛ قرأ العامَّة بالتاء، كذلك قراءةُ ابنِ كعبٍ: (بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) ، والخطابُ للكفار؛ كأنه قال: بل أنتم أيُّها الكفارُ تختَارون الدُّنيا على الآخرةِ، وقرأ أبو عمرٍو (يُؤْثِرُونَ) بالياء يعني الأشقياء. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى"؛ أي ثوابُ الآخرةِ خيرٌ من الدنيا وما فيها وأدومُ. وفي الحديث عن النبيِّ"أنه قال:"مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ"إلاَّ"كَرَجُلٍ أدْخَلَ إصْبعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ"."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى"؛ أرادَ به قولَهُ تعالى"قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى" [الأعلى:14 - 15] كما هو في القرآنِ، ويقال: مذكورٌ في الصُّحف الأُولى: أنَّ الناسَ يُؤثِرون الحياةَ الدُّنيا، وأن الآخرةَ خيرٌ وأبقَى، أرادَ به السُّورة كلَّها.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى"؛ قال قتادةُ: (( تَتَابَعَتْ كُتُبُ اللهِ تَعَالَى أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وَأبْقَى ) ). ويقال: إن في صُحف إبراهيمَ: (( ينبغِي للعاقل أنْ يكون حَافظًا للسانهِ عارفًا بزمانه مُقبلًا على شأنهِ ) ).
وقال أبُو ذرٍّ:"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَمِ الأَنْبيَاءُ؟ فَقَالَ:"مِائَةُ ألْفِ نَبيٍّ، وَأرْبَعَةٌ وَعُشْرُونَ ألْفَ نَبيٍّ"قُلْتُ: كَمِ الْمُرْسَلُونَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ".
قُلْتُ: أكَانَ آدَمُ نَبيًّا؟ قَالَ:"نَعَمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَخَلَقَهُ اللهُ بيَدِهِ. يَا أبَا ذرٍّ أرْبَعَةٌ مِنَ الأَنْبيَاءِ مِنَ الْعَرَب: هُودُ وَصَالِحُ وَشُعَيْبُ وَنَبيِّكُ"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَمْ أنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ؟ قَالَ:"مِائَةٌ وَأرْبَعَةُ كُتُبٍ، مِنْهَا عَلَى آدَمَ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَعَلَى شِيتٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً، وَعَلَى آخْنُوخَ وَهُوَ إدْريسُ ثَلاَثُونَ صَحِيفَةً، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ خَطَّ بالْقَلَمِ، وعَلَى إبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَالتَّوْرَاةُ وَالإنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ""."