قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ"؛ أي لا يحثُّون الناسَ على الصَّدقةِ على المساكينِ، قال عمرانُ بن الْحُصَين:"مَا قَامَ رَسُولُ اللهِ"خَطِيبًا إلاَّ وَحَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَنَهَى عَنِ الْمَسْأَلَةِ"."
واختلفَ القرَّاءُ في هذه الآيةِ، فقرأ أبو عمرٍو (يُكرِمُونَ) وما بعده بالياءِ كلها، وقرأ الباقون بالتاءِ، وقرأ أهلُ الكوفة (تَحَاضُّونَ) بالألفِ وفتح التاء؛ أي يَحُضُّ بعضُهم على ذلكَ والتَّحَاضُّ: الحثُّ، وروي عن الكسائي (تُحَاضُّونَ) بضم التاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا"؛ أي تأكُلون الميراثَ أكلًا شَديدًا؛ أي تلمُّون بجميعهِ من قولهم: لَمَمْتَ ما على الْخِوَانِ؛ إذا أكلتَهُ أجمعَ، قال الحسنُ: (هُوَ أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ نَصِيبَ نَفْسِهِ وَنَصِيبَ صَاحِبهِ مِنَ الْمِيرَاثِ ) ) . ويقال: أرادَ أكلَ ميراثِ اليتيمِ بغير حقٍّ؛ لأنه هو الذي سبقَ ذِكرهُ، ويقال: المرادُ أن يصرفَ ما ورثَهُ من نصيب نفسه إلى الباطلِ.
وفائدةُ تخصيصِ الميراث التَّنبيهُ به على حُكمِ غيرهِ؛ لأنه إذا منعَ عن الأكلِ أحلَّ أموالَهُ بالباطلِ، ففي أكلِ غير ذلك أولى، ويقال معنى"أَكْلًا لَّمًّا"أي يأكلُ نصيبَهُ ونصيبَ غيرهِ، قال بكرُ بن عبدالله: (( اللَّمُّ: الاعْتِدَاءُ فِي الْمِيرَاثِ، يَأْكُلُ مِيرَاثَهُ وَمِيرَاثَ غَيْرِهِ ) ).
وقال ابنُ زيد: (( اللَّمُّ: الَّذِي يَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ يَجِدْهُ وَلاَ يَسْأَلُ عَنْهُ أحَلاَلٌ هُوَ أمْ حَرَامٌ؟ وَيَأْكُلُ الَّذِي لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَذلِكَ أنَّهُمْ كَانُوا لاَ يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلاَ الصِّبْيَانَ ) ). وفي الحديث عن النبيِّ"أنه قالَ:"مَنْ قَطَعَ مِيرَاثًا فَرَضَهُ اللهُ، قَطَعَ اللهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ"."