فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ"؛ أي الجنةَ. وهذا مثلٌ ضربه الله لنفقةِ المنافقِ والمرائي، تقولُ عَمَلُ هذا المرائي في حُسنه كحُسن الجنةِ ينتفعُ بها كما ينتفعُ صاحب الجنةِ، فإذا كَبُرَ وضَعُفَ فصار له أولادٌ صغار ضِعَافٌ، أصاب جنتَهُ إعصارٌ فيه نارٌ، فاحترقت عندما هو أحوجُ إليها وضَعُفَ عن إصلاحِها لِكِبَرِهِ وضَعُفَ أولادهُ عن أصلاحِها لِصِغَرِهِمْ؛ وعجزهِ وعجزهِم من أن يَغْرِسُوا مثلها، لا يُرَدُّ عليه شبابهُ وقوته ليغرسَ، فيحزنَ ويغتَمَّ ويهلك أسفًا وتحسُّرًا على ذلك، فلا هو يجدُ شيئًا يعيشه ولا معَ أولاده شيءٌ يعودون به عليه، فبقي هو وأولادهُ فُقْراءَ عجزةً متحيرينَ لا يقدرون على حيلةٍ، فكذلك يُبْطِلُ اللهُ صدقةَ هذا المرائي والمنافقُ والْمَانُّ بصدقتهِ؛ حيثُ لا يسمع مستغيثَ لهما ولا توبةَ ولا إقالة، يُحْرَمُ أجرَها عند أفقرِ ما يكونُ إليها، ويرى في القيامةِ أعمالَه هباءً منثورًا، ولا يؤذنُ له في الرجوعِ إلى الدنيا ليتصدَّق وليكون من الصالحين.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ"أي كهذا البيانِ الذي بَيَّنَ اللهُ لكم فيما تقدَّم؛ ويبيِّن لكم الدلالات والعلامات لكي تتفكَّروا فتعتَبروا.
فإنْ قيلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ"فعلُ مستقبلٍ، وقوله:"وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ"فعلُ ماضٍ، فكيفَ عطفَ الماضي على المستقبلِ؟ والجوابُ من وجهين:
أحدُهما: أن (قد) ها هنا مقدَّرة؛ المعنى وقد أصابهُ الكِبَرُ، فيكون للحالِ كما قالَ في آيةٍ أخرى:"وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ" [يوسف:27] أي قَدْ قُدَّ.