فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ"؛ أي لا تعمَدُوا إلى الرَّدِيء من أموالِكم منه تتصدقون، ولستم بقابضِيه وقابليهِ (إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) ، يقول: لو كانَ لبعضِكم على بعضٍ حقٌّ فجاءَ بدون حقِّه، لم يأخذ منهُ إلا أن يَتَغَامَضَ له عن بعضِ حقِّهِ ويتسامَحَ عن عيبٍ فيه، فكيفَ تُعطونه في الصدقةِ.
وقد رُوي في سبب نزول هذه الآية"أنَّ النبيَّ"حَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ وَقَالَ: [إنَّ للهِ فِي أمْوَالِكُمْ حَقًّا] . فَكَانَ يَأْتِي أهْلُ الصَّدَقَةِ بصَدَقَاتِهِمْ فَيَضَعُونَها فِي الْمَسْجِدِ، فَيُقَسِّمُهَا رَسُولُ اللهِ"بَيْنَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ ذاتَ يَوْمٍ بَعْدَمَا تَفَرَّقَ عَامَّةُ أهْلِ الْمَسْجِدِ بعَذْقٍ مِنْ حَشَفٍ فَوَضَعَهُ فِي الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا أبْصَرَهُ رَسُولُ اللهِ"قَالَ: [بئْسَ مَا صَنَعَ صَاحِبُ الْحَشَفِ] فأَمَرَ بهِ فَعُلِّقَ، فَجَعَلَ كُلُّ مَنْ يَرَاهُ يَقُولُ: بئْسَ مَا صَنَعَ صَاحِبُ الْحَشَفِ"، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةِ."
وقال بعضُهم: معنى:"وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ"أي لا تتصدَّقوا بالحرامِ. فيكون معنى (إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) على هذا التأويلِ: إلاَّ أن تَتَرَخَّصُواْ في تناولهِ إنْ كان حَرَامًا. والإغماضُ: تركُ النظرِ، يقال في الْمَثَلِ: أغْمِضْ فِي هَذَا وَغَمَّضْ؛ أي لا تَسْتَقْصِ وكُنْ كأنَّكَ لَمْ تُبْصِرْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ"؛ أي"غَنِيٌّ"عن صدقاتِكم محمودٌ في أفعالهِ، ولم يأمرْكم بالصدقةِ عن عِوَضٍ ولكن بلاكُم بما أمركم، فهو مستحقٌ للحمدِ على ذلك وعلى جميعِ أمرهِ.