فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا"؛ يعني من الشَّجَرِ والثمار والدواب،"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ"، فإن قيل: هذه الآية تقتضي أن خلق السماء بعد الأرض؛ وقال تعالى في آيةٍ أُخرى:"أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا" [النازعات:27] ثم قال:"وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا" [النازعات:30] ؟ قِيْلَ: مجموعُ الآيتين يدلُّ على أن خَلْقَ الأرضِ قَبْلَ السَّماء؛ إلا أنَّ بَسْطَ الأرضِ بعد خَلْقِ السَّماء،"وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"؛ يعني آدمَ وذريَّتَهُ. واختَلَفُوا في معنى الخليفة، فروي: أنَّ رَجُلًا سَأَلَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَكَعْبًا وَسَلْمَانَ: مَا الْخَلِيْفَةُ؛ وما الْمَلِكُ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ: (مَا نَدْرِي) وَقَالَ سَلْمَانُ: (الْخَلِيْفَةُ: هُوَ الَّذِي يَعْدِلُ فِي رَعِيَّتِهِ وَيَقْسِمُ بَيْنَهُمْ بالسَّوِيَّةِ وَيُشْفِقُ عَلَيْهِمْ شَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلَى أهْلِهِ وَالْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ؛ وَيَقْضِي بِكِتَاب اللهِ تَعَالَى) . فَقَالَ كَعْبٌ: (مَا كُنْتُ أحْسَبُ أنَ أحَدًا يُفَرِّقُ الْخَلِيْفَةَ مِنَ الْمَلِكِ غَيْرِي؛ وَلَكِنَّ اللهَ مَلأَ سَلْمَانَ عِلْمًا وَحِلْمًا وَعَدْلًا) .
وروي أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ لِسَلْمَانَ: أمَلِكٌ أنَا أمْ خَلِيْفَةٌ؟ قَالَ سَلْمَانُ: (إنْ أنْتَ جَبَيْتَ أرْضَ الْمُسْلِمِيْنَ دِرْهَمًا أوْ أكْثَرَ أوْ أقلَّ؛ وَوَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ!! فَأَنْتَ مَلِكٌ. وَإنْ أنْتَ فَعَلْتَ بالْعَدْلِ وَالإنْصَافِ فَأَنْتَ خَلِيْفَةٌ) فَاسْتَغْفَرَ عُمَرُ رضي الله عنه.