فهرس الكتاب
فإن قِيْلَ في قولهِ تعالى:"أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَاؤُلاءِ" [البقرة:31] أمرُ تكليفِ ما لا يطاقُ؛ فهل يجوزُ تكليف ما لا يطاقُ؟ قُلْنَا: الصحيحُ أنه ليس بتكليفٍ. وهذا كمَن يُلقِي المسألةَ على مَن يتعلَّم منهُ، فيقول: أخبرنِي بجواب هذه المسألةِ؟ ولا يريدُ بذلكَ أن يأمرَهُ بجوابها؛ لأنه يعلمُ أنه لا يعرفهُ. بل يقصدُ أن يقررَ عليه أنه لا يعرفُ جوابَها؛ ليكون أشدَّ حرصًا على تعلُّم تلك المسألة.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ"؛ ظاهرُ الآيةِ: أن إبليس كان من الملائكة؛ لأنه مُستثنَى منهم، وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ من العلماءِ، وقالوا: معنى قولهِ في آيةٍ أُخرَى:"إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ" [الكهف:50] يعني من خُزَّانِ الجِنَانِ. وذهب جماعةٌ آخرون إلى أنه من أولادِ الجانِّ؛ لأنه مخلوقٌ من نارٍ وله ذريةٌ، والملائكةُ من نورٍ وليس لَهم ذُرية. فعلى هذا يكونُ مُستثنى منقطعًا؛ مثل قولهِ تعالى:"مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ" [النساء:157] .
وقيل: سببُ كونه مع الملائكةِ: إن الملائكةَ لَمَّا حاربَتِ الجنَّ سَبَوا إبليسَ صغيرًا فنشأَ معهم؛ فلما أُمرتِ الملائكةُ بالسُّجود امتنعَ وكفرَ وعاد إلى أصلهِ.