فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ"؛ أي مَن يوالِيهم في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عَوْرَةِ المسلمين، فليس مِن الله في شيء. قال السديُّ: (فَلَيْسَ مِنَ الْوِلاَيَةِ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ بَرِئَ اللهُ مِنْهُمْ) . كَمَا قاَلَ اللهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ أخْرَى:"وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51] معنى أنَّ وَلِيَّ الكافرِ راضٍ بكفرهِ، والرِّضَى بالكفرِ كفرٌ، قَالَ رسولُ الله":"أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ""
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً"؛ أي إلاَّ أن يُحصَرَ المؤمن في أيدي الكفَّار يخافُ على نفسِه فيداهِنُهم فيرضيهم بلسانهِ وقلبُهُ مطمئنٌّ بالإيْمان فهو مُرَخَّصٌ له في ذلكَ، كما رُوِيَ: أنَّ مُسَيْلَمَةَ الْكَذابَ لَعَنَهُ اللهُ أخَذ رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ"؛ فَقَالَ لأحَدِهِمَا: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ لِلآخَرِ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللهِ؟ قال: إنِّي أصَمٌّ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ ثَلاَثًا، فَأَجَابَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ هَذا الْجَوَاب، فَضَرَبَ مُسَيْلَمَةُ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللهِ"فَقَالَ:"أمَّا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَيَقِيْنِهِ فَهَنِيْئًا لَهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَقَبلَ رُخْصَةَ اللهِ فَلاَ تَبعَةَ عَلَيْهِ"
فمعنى الآيةِ: إلاَّ أن تَخافوا منهم مخافةً. قرأ الحسنُ والضحَّاك ومجاهد: (تَقِيَّةً) . وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بالإمالةِ. وقرأ الباقون بالتفخُّم، فكلُّ ذلك لغاتٌ فيها، ومعناهُ واحد.