فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًَا بَعِيدًا"؛ أي والذي عملَتْ من سوء يتمنَّى أن يكونَ بينه وبين ذلك أجلٌ طويل بُعد ما بينَ المشرقِ والمغرب، لَيْتَهُ لم يعملْ، جعل بعضُهم (ما) جزاءً في موضعِ النَّصب واعملَ فيه الوجود أي وتجدُ عملَها، وجعل بعضُهم جزاءً مستأنفًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ"؛ أي رحيمٌ بالمؤمنين خاصَّة؛ هكذا قال ابنُ عبَّاس، وقيلَ: إن أول هذه الآية عدلٌ، وأوسطها تَهديد وتخويفٌ، وآخرُها رأفةٌ ورحمةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ"؛ لَمَّا نزلت الآياتُ المتقدِّمة قالتِ اليهودُ: نحنُ أبناءُ اللهِ واحبَّاؤُه، وإنَّما يقولُ الله مثلَ هذه الآياتِ في أعدائه، وأرادوا بقولهِ أحبَّاؤُه: نُحِبُّهُ وَيُحِبُّنَا؛ فأنزلَ اللهُ هذه الآية.
والْمَحَبَّةُ: في الحقيقةِ هي الإرادةُ، وهو أن تريدَ نَفْعَ غيرك فيبلُغَ مرادَه في نفعك إيَّاهُ، وأما الْعِشْقُ: وهو إفراطُ الْمَحَبَّةِ في هذا المعنى. وأما مَحَبَّةُ الطعامِ والملاذِ؛ فهو شهوةٌ وتَوَقَانُ النفسِ. وأما مَحَبَّةُ العباد للهِ تعالى، فاللهُ يستحيلُ عليه المنافع، فلا يصحُّ أن يرادَ بمُحِبهِ هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامُه وإجلاله وطاعتهُ ومحبَّة رسلهِ وأوليائِه، ومحبَّة الله إيَّاهم إثابتهُ إياهم على طاعتِهم؛ وإنعامهُ عليهم؛ وثناؤُه عليهم؛ ومغفرَتُه لهم.
ومعنى الآيةِ: إنْ كُنتُم تحبُّون طاعةَ الله والرضا بشرائعهِ فاتَّبعونِي على دينِي يَزِدْكُمُ اللهُ حُبًّا،"وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ"؛ في اليهوديَّة؛"وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".