فهرس الكتاب
فلما نزلتْ هذه الآيةُ قالتِ اليَهُودُ: نحنُ أبناءُ إبراهيمَ وإسحاق ويعقوبَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ونحنُ على دينهم، فأنزلَ الله قولَه تعالى:"إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ"؛ معناهُ: أنَّ اللهَ اصطفاهُم بالإسلام، وإنَّ آدمَ كما لم ينفع أولادَه المشركين كذلك سائرَ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لا ينفعونهم. وصَفْوةُ الله: هم الذين لا دَنَسَ فيهم بوجهٍ من الوجوهِ؛ لا في اعتقادٍ ولا في الفعلِ، والاصْطِفَاءُ: هو الاختيارُ، والصَّفْوَةُ: هو الخالِصُ من كلِّ شيءٍ، فمعناهُ:"اصْطَفَى ءَادَمَ"أي اختارهُ واستخلَصه.
واختلفُوا في آلِ عمران في هذهِ الآية؛ قيلَ: أراد بهم موسى وهارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، وقيلَ: أرادَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ"؛ إنتصبُ على البَدَلِ، وقيل: على التَّكرار، واصطفَى ذريَّةً بعضُها من بعضٍ، وقيل: على الحالِ؛ أي اصطفاهُم حالَ كونِ بعضِهم من بعضٍ،"وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؛ أي سَميعٌ لقولِهم؛ عَلِيْمٌ وبمجازاتِهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"؛ قال أبو عُبيد: (( إذْ) زَائِدَةٌ فِي الْكَلاَمِ وَكَذلِكَ فِي سَائِرِ الآيِ). وقال جَمَاعةٌ من النحويِّين: معناهُ: واذْكُرْ إذ قالَت، وكانَ اسمُ امرأة عِمران (حِنَّةٌ) وهي أمُّ مريَم، وكان لَها إبنانِ احداهما انشاع؛ وعِمران بنُ مَاثَانَ؛ بينهُ وبين عِمران أبي مُوسى عليه السلام ألفٌ وثَمانُمائة سنةٍ.