فهرس الكتاب
قال المفسِّرون: فلما وضعَت حنَّةُ مريَمَ لفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْهَا إلى المسجدِ فوضعَتها عند الأحبار أبنَاء هارون عليه السلام وهم يومئذ يَلُونَ من بيتِ المقدِسِ مَا يلي الْحَجَبَةُ من الكعبة، فقالَت لَهُم: دُونَكُمْ هذه النَّذِيْرَةِ؛ فَتَنافَسَ فيها الأحبارُ لأنَّها كانت بنتَ إمامِهم، فقال لَهم زكريَّا عليه السلام: أنَا أحقُّ بها لأنَّ خالَتَها عندِي، فقالت لهُ الأحبارُ: لا تفعل؛ فإنَّها لو تُركت لأحَقِّ الناسِ بها لتُركت لأُمِّها، ولكنَّا نُقْرِعُ عليها فتكونُ عند مَن خرجَ سهمُه.
قوله عَزَّ وَجَلَّ:"كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ"؛ أي عندَما رأى زكريَّا أمرَ اللهِ في مريَم طَمِعَ أنَّ الذي يأتِي مريَم بالفاكهةِ في الشِّتاء يُصْلِحُ له عُقْرَ زوجتهِ، فدعَا عند ذلكَ وقال:"رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً"أي وَلَدًَا صالِحًا، والذُّرِّيَّةُ تكونُ واحدًا وجَمعًا؛ ذكرًا أو أنثى، وهو هَا هُنا واحدٌ، ويدلُّ عليهِ قولهُ:"فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا"ولَم يقل أولِياءً، وإنَّما أتت"طَيِّبَةً"لأنه على لفظِ ذُرية كما قالَ الشاعرُ: أبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أخْرَى وَأنْتَ خَلِيْفَةٌ ذاكَ الْكَمَالِفأنَّث (وَلَدَتْهُ) لتأنيثِ الخليفة.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ"أي سامِعُ الدعاءِ ومُجيِّبُهُ، وقولُهم: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي أجابَ، وأنشدَ: دَعَوْتُ اللهَ حَتَّى خِفْتُ أنْ لاَ يَكُونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أقُولُ