فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 3352

قوله عَزَّ وَجَلَّ:"قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ"؛ معناهُ: قال زكريَّا لجبريلَ حين سَمع البشارة يا سيِّدي كيفَ يكونُ لي غلامٌ وقد أدركَنِي الْهَرَمُ وامرأتِي ذاتُ عقْرٍ لا تلدُ، قَالَ له جبريلُ مثلَ ذلك (يفعلُ اللهُ مَا يَشاءُ) ؛ أي الذي شَاءَهُ. وقال بعضُهم: أرَادَ زكريَّا بالرب اللهَ عَزَّ وَجَلَّ؛ أي قَالَ يا رب كيفَ يكونُ لي غلامٌ.

قال الكلبيُّ: (كَانَ زَكَرِيَّا يَوْمَ بُشِّرَ بالْوَلَدِ ابْنَ تِسْعِيْنَ سَنَةً) . وقيلَ: ابنَ تسعٍ وتسعينَ سنةً. وروى الضحَّاك عنِ ابن عبَّاس: (أنَّهُ كَانَ ابْنَ مِائَةٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً) . وكانتِ امرأتُه بنتَ ثَمانِي وتسعينَ سنةً، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى حاكيًا عنه:"وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ"أي عقيمٌ لا تَلِدُ.

يقال: رجلٌ عَاقِرٌ وامرأةٌ عَاقِرٌ، وقد عَقُرَ بضَمِّ القافِ يَعْقُرُ عُقْرًا، ويقالُ: تكلَّمَ فلانٌ حتى عُقِرَ بكسرِ القافِ؛ إذا بَقِيَ لا يقدرُ على الكلامِ، وإنَّما حذفَ (الهاءَ) من عَاقِرٍ لاختصاصِ الآياتِ بهذه الصِّفة كما يُقالُ امرأةٌ مُرْضِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعَالَى حاكيًا عن زكريَّا:"وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ"هذا المقلوبُ؛ أي وقد بَلَغْتُ الْكِبَرَ وَشِخْتُ، فإن قيلَ: هل يجوزُ أن يقولَ الإنسانُ بَلَغَنَا الْبَلَدُ كما يقولُ بَلَغْتُ الْبَلَدَ؟ قيلَ: لا يجوزُ ذلك بخلافِ قولهِ:"بَلَغَنِي الْكِبَرُ"بمعنى بلغتُ الكبرَ، والفرقُ بينهما أنَّ الكِبَرَ طالبٌ للإنسانِ لإتيانه عليه بحدوثهِ فيه، والإنسانُ كالطالب للكِبَرِ لبلوغهِ إيَّاه بمرور السنينِ والأعوامِ عليه، وأمَّا البلدُ فلا يكونُ طالبًا للإنسانِ، كما يكونُ الإنسانُ طالبا للبلد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت