فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 3352

قوله عَزَّ وَجَلَّ:"وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين"؛ يحتملُ أنَّ لها كنايةٌ عن الصلاة؛ لأنَّها أشرفُ الطاعات، ويحتمل أن تكون عن الاستعانةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ بها الصبر والصلاةُ جميعًا، كما قال الله تعالى:"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ" [التوبة:62] فاكتفى بذكرِ أحدهما دلالةً على الآخرِ. ونظيرُ القول الأول قَوْلُهُ تعَالَى:"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا" [التوبة:34] ردَّ الكنايةَ إلى الفضة لأنَّها أغلبُ وأعم. وقال تعالى:"وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا" [الجمعة:11] ردَّ الكنايةَ إلى التجارة لأنَّها الأهم والأفضلُ. وقال الأخفشُ: (رَدَّ الْكِنَايَةَ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ أرَادَ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْهُمَا الْكَبيْرَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:"كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا" [الكهف:33] يَعْنِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقَالَ تَعَالَى:"وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً" [المؤمنون:50] وَلَمْ يَقُلْ آيَتَيْنِ؛ أرَادَ جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً) .

قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ"أي ثقيلةٌ شديدةٌ إلا على الخاشعين؛ أي المؤمنين. وقيلَ: إلا العابدين المطيعين. وقيلَ: الخائفين. وقيل: المتواضعين. وقال الزجَّاجُ: (الْخَاشِعُ الَّذِي يُرَى أثَرُ الذُّلِّ وَالْخُشُوعِ عَلَيْهِ؛ وَيُقَالُ: خَشَعَ؛ إذَا رَمَى ببَصَرِهِ إلَى الأَرْضِ، وَأخْشَعَ إذَا طَأْطَأَ رَأسَهُ لِلسُّجُودِ) . والخشوعُ والخضوعُ نظيران؛ إلا أن الخضوعَ يكون بالبدن والخشوعَ بالبصر والصوتِ والقلب كما قالَ تعالى:"خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ" [القلم:43] "وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ" [طه:108] "أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ" [الحديد:16] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت