فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا"؛ الآيةُ؛ وذلك أنَّهُ لَمَّا افْتَرَقَ الْفَرِيْقَانِ؛"بَعَثَ رَسُولُ اللهِ"عَلِيًّا رضي الله عنه فِي إثْرِ الْمُشْرِكِيْنَ وَقَالَ لَهُ:"انْظُرْ؛ فَإنْ هُمْ جَنَبُواْ الْخَيْلَ وَرَكِبُواْ الإبلَ فَهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإنْ رَكِبُواْ الْخَيْلَ وَسَاقُواْ الإبلِ فَهُمْ يُرِيْدُونَ الْمَدِيْنَةَ". فَخَرَجَ عَلِيٌّ فِي إثْرِهِمْ فَإذا هُمْ رَكِبُواْ الإبلَ وَقَادُواْ الْخَيْلَ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ":سَمِعْتُهُمْ يَقُولونَ إنَّا قَدِ اْجتَمَعْنَا لِنُحَاربَ ثَانِيًا، فَقَالَ":"كَذبُواْ؛ فَإنَّهُمْ أرَادُوا الإنْصِرَافَ إلى مَكَّةَ"فَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ"وَأَمِنَ الْمُسْلِمُونَ، وأَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ؛ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أحَدٌ إلاَّ وَقَدْ ضَرَبَ ذقْنَهُ صَدْرَهُ؛ إلاَّ مُعَتَّبَ بْنَ قُشَيْرٍ وَأصْحَابَهُ الَّذِيْنَ كَانُواْ يَشُكُّونَ فِي أمْرِ النَّبيِّ"؛ لَمَّا عَلِمَ اللهُ مِنْ بَاطِنِهِمْ خِلاَفَ مَا عَلِمَ مِنْ بَاطِنِ الْمُؤْمِنِيْنَ مَنَعَهُمْ مَا أَعْطَى الْمُؤْمِنِينَ؛ فَتَرَدَّدُواْ فِي الْخَوْفِ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَسُوءِ الظَّنِّ برَبهِمْ؛ يَئِسُواْ مِنْ نَصْرِهِ وَشَكُّوا فِي صَادِقِ وَعْدِهِ وَصَادِقِ عَهْدِهِ.
ومعنى الآية:"ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ"الذي كنتُم فيه أمْنًا. قوله: (نُعَاسًا) بدلٌ مِن (أمَنَةً) أي أمَّنَكُمْ أمَنًا تَنَامُونَ معهُ؛ لأنَّ الْخَائِفَ لا ينامُ، ومِن هنا قالَ ابنُ مسعود رضي الله عنه: (النُّعَاسُ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَفِي الْقِتَالِ مِنَ الرَّحْمَنِ) .