قَوْلُهُ تَعَالَى:"غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ"؛ نُصِبَ على الحالِ من الكافِ والميم التي في قولهِ:"أُحِلَّتْ لَكُمْ"كما يقالُ: جاءَ زيدٌ راكبًا؛ وجاءَ غيرُ راكبٍ. والمعنى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيْمَةُ الأنَعَامِ غَيْرَ مُحِلبِّي الصَّيْدِ؛ أي من أنْ تَسْتَحِلُّوا قتلَ الصَّيدِ وأنتُم مُحْرِمُونَ. وَقِيْلَ: نُصِبَ على الحالِ من قوله"أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ"أي أوْفُوا بالمعقُودِ غيرِ مُحِلِّي الصَّيْدِ، هذا قولُ الأخفشِ، والأوَّلُ قولُ الكسائيِّ.
ومعنى الآيةِ: أُحِلَّتْ لكمُ الأنعامُ إلاَّ ما كان وَحْشِيًا، فإنَّهُ صَيْدٌ لا يحلُّ لكم إذا كنتم مُحْرِمِيْنَ، فذلكَ قولهُ:"وَأَنْتُمْ حُرُمٌ". قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ"؛ أي يقضِي على عبادهِ بما شاءَ من التحليل والتحريْمِ على ما تُوجِبُهُ الحكمةُ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ"؛ أراد به الْمَنَاسِكَ؛ أي لا تَسْتَحِلُّوا مخالفةَ شيءٍ منها، ولا تجاوزُوا مواقيتَ الحرمِ غيرَ مُؤَدِّيْنَ حقوقَها؛ وذلك: أنَّ الأنصارَ كانوا لا يَسْعُونَ بين الصَّفَا والمروةِ، وكان أهلُ مكَّة لا يخرجونَ إلى عَرَفَةَ فأمرَ اللهُ تعالى أنْ لا يترُكُوا شيئًا من المَنَاسِكِ. وقال الحسنُ: (شَعَائِرُ اللهِ دِيْنُ اللهِ) ؛ أيْ لاَ تَحِلُّوا فِي دِيْنِ اللهِ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُحِلَّهُ اللهُ. وقالُ: هي حدودُ اللهِ في فرائضِ الشرعِ.
والشَّعَائِرُ في اللغة: الْمَعَالِمُ، والإشْعَارُ: الإعْلاَمُ، وَالشَّعِيرَةُ وَاحِدَةُ الشَّعَائِرِ؛ وهِيَ كُلُّ مَا جُعِلَ عَلَمًا لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.