فهرس الكتاب
وَقِيْلَ: بعثَ اللهُ الغرابَ إكرامًا لهابيل، وكان الغرابُ يحثِي الترابَ على هابيل ليُرِيَ قابيل كيف يُواريه؛ أي كيف يغطِّي عورتَهُ. وفي الخبرِ: أنَّهُ لَمَّا قتله سلبَهُ ثيابه، وتركه عُريانًا. وَقِيلَ: أرادَ بالسَّوْءَةِ جسَدَ المقتولِ، سماه سَوْءَةً لأنه لَمَّا بقي على وجهِ الأرض تغيَّرَ وَنَتَنَ، والسوءَةُ في اللغة: عبارةٌ عن كل شيء مستنكرٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ"؛ الخاسرين، أي صارَ من المغبونِين بالوزر والعقوبة. قال الكلبيُّ: (كَانَ قَابيلُ أوَّلَ مَنْ عَصَى اللهَ فِي الأَرْضِ مِنْ ولْدِ آدَمَ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إلَى النَّارِ) .
وقال مقاتلُ: (كَانَ قَبْلَ ذلِكَ تَسْتَأْنِسُ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ وَالْوُحُوشُ بهِ، فَلَمَّا قَتَلَ قَابيلَ نَفَرُواْ، فَلَحِقَتِ الطُّيُورُ بالْهَواءِ؛ وَالْوُحُوشُ بالْبَرِّيَّةِ؛ وَالسِّبَاعُ فالفيَافِي وشَاكَ الشَّجَرُ، وَتَغَيَّرَتِ الأَطْعِمَةُ وَحَمِضَتِ الْفَوَاكِهُ وَاغْبَرَّتِ الأَرْضُ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ"؛ أي من أجلِ ذلك القتلِ الذي عرفَهُ بنو إسرائيل واشتهرَ عندهم، فرَضْنَا وأوجَبنا عليهم في التَّوراة:"أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ"؛ أي من غيرِ أن يجبَ عليه القَوْدُ،"أَوْ"؛ بغَيرِ؛"فَسَادٍ فِي الأَرْضِ"؛ نحوَ الشِّرك وقطعِ الطريق والزِّنا عند الإحصان،"فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"؛ أي استوجبَ النار بقتلِ النفس الواحدة، كما يستوجبُها مَن قَتَلَ الناس جميعًا، وَقِيْلَ: معناهُ: إنَّ على الناس كلهم معونةُ ولِيِّ القتيلِ حتى يفتدوهُ، ويكونوا كلُّهم خَصمًا للقاتلِ حتى يُقَادَ. وَقِيْلَ: إن المرادَ به استحقاقُ القتلِ عليه بقتلِ النفس الواحدة.