فهرس الكتاب
وأمَّا ذِكْرُ النفسِ في قوله:"وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ"فعلى من أوجُه الكلامِ: بأن الغيبَ من اللهِ تعالى في حُكمِ الضميرِ من الآدميِّين، والنَّفْسُ في كلامِ العرب على ضُروب؛ تُذكَرُ ويرادُ بها ذاتُ الشيءِ، كما يقالُ: جاءَني زيدٌ نفسُه؛ أي ذاتهُ، وقتَلَ فلانٌ نفسَهُ، وأهلَكَ فلان نفسَهُ، ويرادُ بذلك الذاتُ بكمالِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ"؛ أي ما قُلت لهم شيئًا إلاّ القولَ الذي أمَرتَني به،"أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ"؛ أو وحِّدوهُ وأطيعوهُ،"وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ"؛ معناهُ: فلمَّا قبَضتَني إليك من بينِهم، ورفَعتَني إلى السَّماء كنتَ أنتَ الحفيظَ عليهم،"وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"؛ من مقالَتي ومقالتِهم، مطَّلعٌ عالِمٌ مشاهدٌ.
وذهبَ بعضُ المفسرين إلى أن معنى قولهِ:"فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي"أمَتَّني، وقالوا: إنَّ عيسى ليس بحيٍّ في السَّماء. إلاّ أنَّ القولَ الأولَ أشهرُ، ويحتمل أنَّ الله تعالى أمَاتَهُ، ثم أحياهُ ورفعَهُ إلى السَّماء.
وقال الحسن: (الْوَفَاةُ فِي كِتَاب اللهِ تَعَالَى عَلَى ثَلاَثَةِ أوْجُهٍ: وَفَاةُ الْمَوْتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:"اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا" [الزمر:42] ، وَوَفَاةُ النَّوْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:"وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ" [الأنعام:60] أيْ يُنِيمُكُمْ، وَوَفَاةُ الرَّفْعِ كَقَوْلِهِ:"ياعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ" [آل عمران:55] .