فهرس الكتاب

الصفحة 905 من 3352

وقال أكثرُ المفسِّرين: إنَّما يقولُ الله تعالى هذه المقالةَ يوم القيامةِ، بدليلِ ما ذكَرنا من قولهِ:"يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ" [المائدة:109] ،"يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ" [المائدة:119] ، فإن قالوا (إذْ) للماضي، قُلنا قد تكون بمعنى (إذا) كقوله:"وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ" [سبأ:51] أي إذا فَزِعوا.

قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ"يعني أأنتَ قُلتَ لَهم في الدُّنيا:"اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ"؟ فإنْ قيلَ: ما وجهُ سؤالِ الله تعالى لعيسَى مع علمهِ بأنه لم يقُلْ؟ قِيْلَ: ذلكَ توبيخٌ لقومِ عيسى وتحذيرٌ لهم عن هذه المقالةِ. وَقِيْلَ: أرادَ الله بذلك أن يُقِرَّ عيسَى بالعبوديَّة على نفسهِ، فيظهرُ منه تكذيبُهم بذلك، فيكون حجَّةً عليهم.

قال أبو رَوْقٍ وميسرةَ: (إذْ قَالَ اللهُ لِعِيسَى عليه السلام: أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ؟ ارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَانْفَجَرَتْ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ جَسَدِهِ عَيْنٌ مِنَ الدَّمِ) .

ثُمَّ يَقُولُ عِيسَى عليه السلام مُجيبًا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ:"قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ"؛ أي تَنزيهًا لكَ يا رب، ما ينبغِي لي أن أدَّعي شيئًا لستُ بجديرٍ له،"إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي"؛ عندي وما في ضَمِيري، وما كان منِّي في الدُّنيا،"وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ"؛ غَيبكَ،"إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ"؛ لا يعلمُ الغيبَ أحدٌ غيرُكَ. وَقِيْلَ: معناهُ: تعلمُ ما أريدُ، ولا أعلمُ ما تريدُ،"إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ"أي ما كانَ وما يكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت