قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ"أي اخْتَلَطْنَا وشَبَّهْنَا عليهم ما يَخْلُطُونَ على أنفسِهم حتى شَكُّوا؛ فلا يدرونَ أمَلَكٌ هو أم رجُلٌ؟ وهذا لأنَّهم أنكرُوا نبوَّةَ مُحَمَّدٍ"بعدَما عرفُوه بالصدقِ والأمانةِ، ثم لَبَسُوا على أنفسهم وعلى ضَعَفَتِهِمْ؛ فقالوا: إنَّما هو بَشَرٌ، فلو نزلَ الملَك على صورةِ رجلٍ لَلَبَسُوا على أنفسهم أيضًا فلم يقبلُوا منه وقالوا: إنهُ في مِثْلِ صورَتنا!"
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ"؛ أي اسْتَهْزَأتِ الأممُ الماضية بأنبيائِهم كما اسْتَهْزَأ بكَ يا مُحَمَّدُ قومُكَ،"فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ"؛ أي نَزَلَ بهم وحَلَّ بالمستهزئين من الكفَّار عقوبةُ استهزائهم بالكتاب والرسُول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
وقال الضَّحاك: (كَانَ النَّبِيُّ"جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِيْنَ: بلاَلٍ وَصُهَيْبٍ وَعَمَّارِ وَغَيْرِهِمْ، فَمَرَّ بهِمْ أبُو جَهْلٍ فِي مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ؛ فَقَالَ: تَزْعُمُ يَا مُحَمَّدُ أنَّ هَؤُلاَءِ مُلُوكُ الْجَنَّةِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ لِيُثَبتَ فُؤَادَهُ وَيَصْبرَ عَلَىَ أذى الْمُشْرِكيْنَ) . أي إن سَخِرَ أهلُ مكَّة من أصحابكَ، فقد فَعَلَ ذلك الجهلةُ برسلِهم قبلكَ."
وَالْحَيْقُ في اللُّغة: مَا اشْتَمَلَ عَلَى الإِنْسَانِ مِنْ مَكْرُوهِ فِعْلِهِ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ" [فاطر:43] . وأما الاستهزاءُ فهو إيْهَامُ التَّفْخِيْمِ بِمَعْنَى التَّحْقِيْرِ.