قَوْلُهُ تَعَالَى:"قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ"؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ سافِرُوا في الأرضِ، ثم انظرُوا بأبصاركم وتأمَّلوا بقلوبكم كيفَ صارَ إجرامُ المكذِّبين بالرُّسل والكتب مِثْلُ عَادٍ وَثَمُودُ وَغَيْرِهِمُ، الذينَ عذبَهم اللهُ تعالى بعذاب الاستئصال، وكانت آثارُ ديارهم باقيةً قريبةً من مكَّة. وقال الحسنُ: (مَعْنَى"سِيرُواْ فِي الأَرْضِ"أيِ اقرْأواْ الْقُرْآنَ وَتَفَكَّرُواْ فِيْهِ، فَإِنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَتَفَكَّرَ فِيْهِ فَكَأَنَّهُ سَارَ فِي الأَرْضِ) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"؛ أي قُلْ يا مُحَمَّدُ لكفار مكَّة: لِمَنْ مُلْكُ ما في السَّموات والأرضِ، فإِنْ أجابوكَ وقالوا: الله، وإلا فَقُلْ لَهم"الله"إذ هُم يعلمونَ ويُقِرُّونَ أن الأصنامَ لا تَملك خَلْقَ شيء، وإنَّما اللهُ يَمْلِكُ ذلك.
وقَوْلُهُ تَعَالَى:"كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"أي أوْجَبَ على نفسهِ الرَّحمةَ فضلًا وكَرَمًا. أو قيل: معناهُ: أوجبَ على نفسهِ الثوابَ لِمن أطاعَهُ؛ وقيل: أوجبَ على نفسهِ الرحمةَ بإِمهالِ مَن عصاهُ؛ ليستدركَ ذلك بالتوبةِ ولم يُعَاجِلْهُ بالعقوبةِ، وهذا استعطافٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ للمُتَوَلِّيْنَ عنه إلى الإِقبالِ، وإخبارٌ بأنه رَحِيْمٌ بعبادهِ لا يُعَجِّلُ عيهم بالعقوبة، ويقبلُ منهم الإِنابةَ والتوبةَ.