وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ":"لَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى الْخَلْقَ؛ كَتَبَ فَوْقَ الْعَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". وقال عمرُ رضي الله عنه لكعب الأحبار: (مَا أوَّلُ شَيْءٍ ابْتَدَأ اللهُ بهِ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: كَتَبَ اللهُ كِتَابًا لَمْ يَكْتُبْهُ بقَلَمٍ وَلاَ مِدَادٍ؛ كِتَابُهُ الزُّبَرْجَدُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتَ: إِنِّي أنا اللهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أنا، سَبَقَتْ رَحْمَتَي غَضَبي) ."
وفي الخَبرِ: أنَّ للهِ تعالى مائة رحمةٍ كلُّها مِلْئُ السَّموات والأرضِ، فأهبطَ اللهُ تعالى منها رحمةً واحدة لأهلِ الدُّنيا، فهم بها يتراحَمون؛ وبها يتعاطَفون؛ وبها يتراحمُ الإنس والجنُّ وطيرُ السَّماء وحيتانُ الماء؛ وما بين الهواء ودواب الأرض وهوامِّها، وأخَّرَ تِسْعًا وتسعين رحمةً يرحمُ بها عبادَهُ يومَ القيامةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ"؛ بدلُ من الرحمةِ وتفسيرٌ لَها، فكأنَّهُ قالَ: لَيَجْمَعَنَّ بين المؤمنينَ والكفار، بين المؤمنِ والكافر في الرِّزق والنِّعمةِ والدَّولةِ إلى يوم القيامة، لا شَكَّ فيه عند المؤمنينَ أنهُ حقٌّ كائنٌ، ثم تكونُ العاقبةُ بَدَلَ البعثِ للمؤمنين.
قَوْلُهُ تَعَالىَ:"الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ"؛ ابتدأ كلامَهُ؛ وجوابهُ"فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ"؛ لأنَّ (الَّذِيْنَ) في موضعِ شرطٍ؛ وتقديرُ الآية: الذين غَبَنُوا أنفسَهم وأهليهم ومنازلَهم وخَدَمَهَمْ في الجنَّة في سابق عِلْمِ الله لا يؤمنونَ؛ أي لا يُصَدِّقُونَ بمُحَمَّدٍ"والقرآنِ."