وأما القول الثاني فهو: أنه أراد الغنم التي ينعق بها وهي تسمع الصوت ولا تدري ما يقال لها . فالآية حينئذ محمولة على ظاهرها ؛ بمعنى: أنه شبه الكفار في دعائهم آلهتهم بداعي الغنم .
قال بنحوه قطرب [1] ، وابن جرير [2] .
"أخرى الناحيتين: في ذكر الترجيح بين هذين التوجيهين:"
ذكر ابن دريد أن التوجيه الأول أحسن من الثاني ؛ والذي يظهر لي صحة التوجيهين فالقرآن حمّال أوجه إذا كانت صحيحة .
قال ابن عاشور: ( وقد جَوَّز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين ، وعندي أن الجمع بينهما ممكن ولعله من مراد الله تعالى ، فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي يحتمل كل ما حمّلته من الهيئة كلها ، وهيئة المشركين في تلقي الدعوة مشتملة على إعراض عنها وإقبال على دينهم كما هو مدلول قوله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ } الآية [3] ، فهذه الحالة كلها تشبه حال الناعق بما لا يسمع ، فالنبيء يدعوهم كناعق بغنم لا تفقه دليلًا ، وهم يدعون أصنامهم كناعق بغنم لا تفقه شيئًا . ومن بلاغة القرآن صلوحية آياته لمعان كثيرة يفرضها السامع ) [4] .
(1) 5 ) هو: أبو علي ، محمد بن المستنير ، النحوي . لازم سيبويه ، وكان يدلج إليه فإذا خرج رآه على بابه فقال: ما أنت إلا قطرب ليل ؛ فلقب به . توفي سنة 206 هـ . انظر: تاريخ العلماء النحويين 82 ؛ وطبقات المفسرين ، للداودي 2 / 254 .
(2) 6 ) نسبه إليهما الشوكاني في فتح القدير 1 / 248 ؛ وليس في تفسير ابن جرير ما يدل على قوله بهذا لِلَّهِ
(3) 1 ) البقرة: 170 .
(4) 2 ) انظر: التحرير والتنوير 2 / 112 .