فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 137

المحاضرة الثانية:

بسم الله الرحمن الرحيم ...

الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...

استكمال الحديث عن الشورى وعملية اتخاذ القرار في التنظيم الجهادي:

وصلنا البارحة إلى موضوع الشورى، وقلنا أن كتب الفقه الشرعية القديمة اتَّفَقَ معظمها على أن الشورى مُستَحَبَّةٌ للأمير وغير مُلزِمَةٍ له؛ مُستَحَبَّة بمعنى إذا شاء فعلها وإذا شاء تركها، وليست مُلزِمَةً أي سواءً عمل بالشورى أم لم يعمل بها فهو الذي يتخذ القرار الذي يراه صائبًا. وفي بعض كتب الفقهاء القديمة من قال أن الشورى ليست مُستَحَبَّة وإنما واجبة، ولكن اتَّفقوا مع العلماء السابقين أنها غير مُلزِمة، فيجب أن يعملها و لكن لا يُلزِمه قرارها. وذكرنا أن هذا الذي قاله العلماء إنما هو بشأن الخليفة.

وفي العصر الحديث انقسم أبناء الحركة الاسلامية إلى قسمين أو مدرستين في موضوع الشورى:

-المدرسة الأولى تقول أن الشورى لازمة وغير ملزمة؛ لازمة بمعنى أنه يجب على الأمير أن يستشير، وغير مُلزِمة بمعني أنه بعد أن يستشير هو الذي يتخذ القرار فلا يلزمه الأخذ برأي الأكثرية، وساقوا أدلةً -تُقرَأ في مكانها في كتب الفقه- على أنها لازمة واجبة وغير مُلزِمة.

-المدرسة الثانية قالت أن الشورى لازمة ومُلزِمة، فيجب على الأمير أن يستشير ثم يجب عليه يأخذ برأي الأكثرية؛ فإذا اتَّفق معظم أعضاء القيادة على رأي فيلزم الأمير أن يأخذ بهذا الرأي ولو كان رأيه مخالفًا له.

بعض الحركات الجهادية المعاصرة -بعد التجارب- خلطت بين الرأيين؛ فقالت في الأمور الهامة والقرارات الأساسية العامة للجماعة تكون الشورى لازمة ومُلزِمة للأمير ويُتَّخَذ القرار بشكلٍ جماعي، أما الأمور الفرعية والإدارية والقضايا اليومية والإجراءات والخطط الروتينية فيَتَّخِذ القرار فيها الأمير وتكون الشورى فيها لازمة ولكن غير مُلزِمة، وكذلك في المهمات العسكرية والحركية عندما يفوض أمير فرعي بمهمة معينة تكون الشورى بالنسبة له لازمة ولكن غير مُلزِمةٍ له، فهذه المدرسة خلطت بين الرأيين الأولين.

معظم الجماعات الإسلامية الحركية السياسية غير الجهادية أخذت بالصورة الثانية أي أن الشورى لازمةً مُلزِمة فتأخذ برأي الأكثرية، وشيئًا فشيئًا تطور هذا المبدأ لديهم إلى أن دخلت الديمقراطية الأفكار الديمقراطية إلى صميم العمل الجماعي، فصار حتى الأمير يُنتخَب من قِبَل الشورى بالأكثرية، كذلك القيادات الفرعية واللجان والهيئات كلها تتخذ من خلال الانتخابات، وأصبحت البنية الأساسية لكثير من الحركات الإسلامية بنية ديمقراطية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت