فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 137

فالنزاع على الشرعية هو الأصل في حرب العصابات، والآن أحمد شاه مسعود وكل الحلفاء الذين معه يحاولون أن يقنعون من عندهم أن هؤلاء الطالبان جاءوا ليستولون على السلطة وأنهم مدعومين من أمريكا وباكستان، بينما في الطرف الآخر الطالبان يحاولون أن يقنعوا الناس أن هؤلاء ليس عندهم تطبيق للشريعة وأن عندهم قبور وعندهم فسوق وفجور، فكلُّ واحد يريد أن يقنع الناس بشرعيته وعدم شرعية الآخر.

ضرورة تألف الناس والأخذ بيدهم شيئًًا فشيئًًا في الدعوة وإصلاح الانحرافات الشرعيّة:

فأنت يجب أن لا تغفل على هذه النقطة وأن تعرف أن أهل البلد عندك مسلمون أحناف عندهم تصورات منهجية صحيحة وممدوحة وعندهم تصورات خاطئة وعندهم قضايا شركية، وأنك لا تستطيع أن تأتي مرةً واحدة وتضبطهم هكذا، لأنك لو فعلت هذا فلن تستطيع أن تضبطهم ولن يقبلوا منك، وفي المقابل سينفرون منك ولن تستطيع أن تدافع عنهم وعن دينهم وأعراضهم وستخسر معركتك مع العدو، بينما لو تَرَفَّقتَ بهم وصبرت على مخالفاتهم ومضيت في إصلاحهم قليلًا قليلًا ستكسبهم وبالتالي تكسب الحرب وتكسب السلطة بهم، فعندما يصبح عندك سلطة فكما قال عثمان - رضي الله عنه:"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، أي السلطان يُجبر الناس على الحق أكثر مما يهدي القرآن الناس للحق، فإذا أردت أن تواجه ظاهرة السفور والتبرج فتصدر أمر بإجبار بنات المدارس على الحجاب ثم تُصدر أمرًا بالحجاب على العاملات في الشارع وعلى المذيعات في التلفزيون، ثم خلال فترة قصيرة تصدر قانون صارم أن المرأة التي لا تَتَحَجَّب تُحاكَم وتُعاقَب، وستستطيع ذلك لأن الناس عندهم قناعة وعندهم خوف.

فتربية الشعوب مثل تربية الأطفال بالضرب وبالشكولاته، فأنت لا تستطيع أن تدير الأمر بالضرب فقط لأن الناس سينفرون منك، ولا تستطيع تضبط الأوضاع بالإغراء فقط لأنه لا أحد سيهابك ويخافك، فيجب أن تجمع بين الأمرين، ولذلك سياسة الشعوب تأتي معها هذه وهذه، الضرب للمجرم الذي لم ينفع معه الترغيب فتقيم الحدود التي وضعها الله - سبحانه وتعالى - ووضعها عن خبرة بخلقه كما قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [1] } فهو يعلم من خلقهم ويعلم طبيعتهم ويعلم أن هذا يصلحهم وهذا لا يصلحهم ويعلم أن نوعية من الناس يجب أن تقطع يدها لأن أغلب الناس تخاف على يدها فتلتزم، فتقوم بالحكم بالشريعة والأحكام الإسلامية وتساعد الضعفاء.

فالشاهد في الموضوع يجب أن تترفق بالناس وتأخذ بأيديهم قليلًا، قليلًا لأن مهمتك الأساسية نُّصرة هؤلاء الناس ودفع الظلم عنهم ثم إصلاحهم وإصلاح دينهم ثم تطبيق شرع الله عليهم، فإذا جئت بشكلٍ فجٍّ وقلت أنا لا أسأل على الناس نَصَرني من نَصَرني وعاداني من عاداني، وأنا أقول الحق وأدخل إلى المسجد وأخالفهم في الشعائر، هكذا أنت أصلًا ترتكب خطأ شرعيًّا، لأن الفريضة مُقَدَّمَةٌ على السُنّة ومُقَدَّمَةٌ على الواجب، تأليف الناس ونصرهم وجذبهم إلى الحق فريضة وتوحيد المسلمين فريضة وتأليف قلوبهم فريضة، فيجب أن يكون هناك بحث عن ماهية طبائع الناس، وما هي عاداتهم، وهذا له علاقة بالجغرافيا السكانية التي تكلمنا عنها، أن هؤلاء الناس عاداتهم كذا وطبيعتهم كذا ودينهم كذا ومذهبهم كذا، فأنت يجب أن تفهم مذهبهم وتفهم الحق ثم تأتي تتألفهم شيئًا

(1) الملك، 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت