معهم في الأحزان. عندما تكون القيادة ميدانية تشعر بضرورة الالتصاق بالناس، ستعرف ما هو العمل الذي إذا فعتله تشتري رضى الناس أو تخسرهم.
إذا وجدت أن الناس تشتكي من فقدان المواد الغذائية وعلمت أن للدولة مستودعات للحبوب والدولة تمنع توزيعها، فيمكن أن تقوم بعملية استيلاء على هذه الحبوب وتوزيعها على القرى الفقيرة، فهذه العملية ليست عملية عسكرية، ولكن يشعر الناس أنك تكبدت عملية وقُتِلَ منك أناس من أجل أخذ غذاء من الدولة وتوزيعه عليهم، الدولة لو جاءت وجمعت الغذاء من الناس ستقع في مشكلة لأن الناس سيعلمون أنك تُطعمهم والدولة تسلبهم الطعام، وإذا تركتهم سيشعر الناس أن الدولة ليس لها سلطان لأنك أجبرتها وأخذت منها الطعام؛ فهذه عملياتٌ أنت تقوم بها باستمرار من أجل رفع طبيعة العلاقة بينك وبينهم.
فعليك أن تنظر ما هي العمليات التي تشفي غليل الناس وترضيهم وتكون عمليات شرعية بنفس الوقت، فلذلك يجب أن يكون عندك بُعدٌ سياسي وبُعدٌ اقتصادي وبُعدٌ إعلامي، كل هذا هدفه إقناع الناس بأنك منهم ومعهم.
قد يكون لك عدو تريد قتله تصفيه ولكن هو محبوب من الناس لأنه عالم دين أو تاجر كبير له خيرات على الناس فإذا قتلته ستغضب الناس، فإرضاء الناس في هذه القضية أمرٌ هامٌ جدًّا، فلذلك لو استطعت أن ترتب قتله بحادث سير أو مرض أو بالسم بحيث يفهم الناس أن الدولة هي التي قتلته فتتخلص منه وتُحَمِّل غضب الناس على الدولة فهذا يجب أن تُفَكِّر به.
فإياك أن تقول: يذهب الناس للجحيم رضوا أو لم يرضوا أنا أقوم بعملي هذا لأجل الله - سبحانه وتعالى -، هذا خطأ، يجب أن تتألف قلوب الناس حتى تدخلهم في الدين، من صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كان رفيقًا وحليمًا وودودًا ولم يكن فظًّا غليظ القلب، والله - سبحانه وتعالى - قال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [1] ، فعدم انفضاض الناس من حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمرٌ هام في الدعوة؛ لأنه أُرسِلَ رحمةً لهم فيجب أن يتألَّفهم ويصبر عليهم، فلما جاءه ملك وقال له لو شئت أخذتهم بالعذاب، دعا لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يدعو عليهم. فيجب أن تعرف الطرق التي توصلك إلى قلوب الناس فتسلكها، وما هي الطرق التي تحجبك عن قلوبهم فتتركها، وتألف قلوب الناس لتأتي بهم للإسلام فريضة، وهناك بعض السنن وبعض الواجبات مرتبتها أقل من الفريضة، فلا يمكن أن تأتي ببعض السنن وتترك الفريضة الأساسية، وهنا وقعت هذه المشكلة المنهجية من جانب العرب والمسلمين في الجهاد الأفغاني، كان عند الأفغان كثيرٌ من الجهل والانحرافات والأمور المذهبية الخاطئة أو المرجوحة فجاء لهم العرب بشكلٍ فجٍّ وبدأوا يحاربون بعض السقوط والانحرافات وخاطبوا الناس بعقائدهم، فتدخل العدو وإعلامه كإذاعة BBC وقالوا:"هؤلاء إرهابيون وهؤلاء أناس دينهم آخر، وهؤلاء جاءوا ليُغَيِّروا دين الأفغان."فاستغلَّ العدو هذا الأمر ليُنَفِّرَ عن المجاهدين ويشوه صورتهم.
(1) آل عمران، 159