ولكن الذي أميل إليه أن الأمير يجب أن يستشير ويجب أن يأخذ برأي الأغلية في وضع السياسة العامة للجماعة، فإذا كان هناك أمورٌ إدارية محدودة فالأمير يتصرف ويتخذ القرار، فإذا أوكل الأمير مهمة عسكرية لشخص معين فهذا الشخص يستشير ثم يتصرف بنفسه فهو الذي يتخذ القرار ويحمل المسئولية في هذه العملية، فالإمارات الفرعية تكون فيها الشورى ليست ملزمة لكي لا تضيع المسئولية.
ونحن نأخذ بأن الشورى يجب أن تكون لازمة، خاصةً في المرحلة الحالية، وحتى وإن أطلقنا يد الأمير وقلنا بأن الشورى مُستَحَبّة وليست واجبة فننصح الأمير بأن لا ينفرد برأيه ولو كان له الحق بذلك، فلا يتعدى في استخدام هذه الصلاحية، ولا يتعسَّف في استخدام هذا المبدأ؛ فالأفضل للأمير سواءً كانت الشورى مُلزِمَةً له أو غير مُلزِمَةٍ له أن يأخذ بالشورى، فإذا كان هناك أميٌر كُفء وعنده عقل، فمهمته ليست اتخاذ القرار «غصبًا» عن القيادة وإنما مهمته أن يقنع كل واحد من القيادة برأيه، حتى يتحول رأي كل شخص إلى رأي الأمير فيسمعه وقد اقتنع به.
العلماء القائلون بأن الشورى غير ملزمة للأمير يستدلون بأن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - خالف كل الصحابة عندما خالفوه لقتال المرتدين وأنفذ الجيوش لمحاربة المرتدين، ولكن القائلين بأن الشورى مُلزِمَةٌ للأمير يستدلونَ بأن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ما أنفذ الجيش إلا عندما أقنع كل واحد من الصحابة بهذا الرأي، وعُمَر بن الخطاب عندما ناقش الصديق في هذا الأمر قال له أبو بكر:"يا عُمَر أجبارٌ في الجاهلية خوار في الإسلام."، وقال:"لو منعوني عقالًا كانوا يأدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحاربتهم عليه."فاقتنع عُمَر - رضي الله عنه - وقال:"فما رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر على هذا الأمر فعلمت أنه الحق ..."** [1]
من أراد أن يستزيد في موضوع أحاديث الإمارة وحقوق الأمير وحقوق الرعية وكل شيء متعلق بموضوع الإمارة فعليه بكتاب"العمدة في إعداد العدة"للشيخ عبد القادر عبد العزيز ففيه تفصيلٌ جيد حول حقوق الأمير وواجباته، هذا فيما يتعلق بموضوع الشورى.
نتكلم الآن في موضوع «الأجهزة المُلحَقَة» ، كنا قد تكلمنا عن موضوع البنية الإدارية للتنظيم وبَيَّنَّا ضرورة الاهتمام بموضوع الأجهزة والهياكل، وقلنا أن أول هيكل يجب أن يُبنَى هو هيكل القيادة، ثم دخلنا في موضوع الشورى، وفي موضوع وجوب وجود مستشار سياسي ومستشار شرعي ومستشار عسكري للأمير، وذكرنا أن الأمير يمكن أن يستشير مجموعة من المستشارين ليسوا سياسيين وإنما هم من أصحاب الاختصاصات، كما يحدث في الغرف الاستشارية بأن تأتي القيادة بشخص فتستشيره في الأمور
(1) هنا انتهى الملف الرابع وابتدأ الملف الخامس.