الأمر الثاني أن هذا الكافر لا يدفع الجزية بل المسلمون هم من يدفعون الجزية، نحن ما زلنا ندفع الجزية لكل أنواع الكفار وتؤخَذ ثرواتنا منا عنوة، فمن دخل من الكفار في بلداننا سواء تجار أو سواح أو خبراء ليعينوا الحكام ويثبتوا حكمهم وينهبوا أموالنا أو على الأقل ينقلوا إلينا فسادهم وتراثهم ودعارتهم، هؤلاء ليسوا مؤمَّنِين وهم حلال الدم والمال وقتلهم واجب وأخذ أموالهم واجب وليس سُنّة.
ابتداءً تكلمت كتب الفقه عن هذه المسألة أي هل الجهاد بنية الغنيمة جائز أو غير جائز؟
الجهاد إذا كان جهادًا في سبيل الله ودخلت الغنيمة تحت هذه النية فلا بأس به، وإذا خرج الإنسان بنية الغنيمة يكون قد خرج بنية كسبٍ حلال فلا شيء عليه، فهو يَتَكَسَّبُ حلالًا ولكنه لا يطلب أجر المجاهد، هو خرج يطلب مالًا وهذا المال حلال كالذي يخرج يحتطب ويزرع، وليس مال حرام حتى لو خرج بنية الغنيمة، إما إذا اشتركت نية الغنيمة بنية الجهاد فالأصل نية الجهاد فإذا قُتِلَ يكون شهيدًا في سبيل الله، ولا بأس بوجود نيةٍ أخرى من الدنيا إذا لم تكن غالبة، وهناك حديثٌ طويل للعلماء في هذه القضية نقرأ به في بعض الكتب في موضوع النية والغنيمة.
خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة فمروا على أعرابي فأخرج ستار بيته ومدَّ رأسه، قال: أين يذهبون؟ قال له: الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة يريدون الغزو والجهاد، فقال: أوشيئًا من الدنيا يصيبون؟ قال: نعم، إذا غنمنا أخذ كذا وكذا. فأخذ لأمته وخرج وقُتل وصلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذكر أنه شهيد، وما ضره أنه لما سأل عن الدنيا، نخرج للجهاد فيه شيء من الدنيا، قالوا: نعم. فخرج فهو خرج بنية مشتركة واضحة بنية الجهاد وبينة المال.
ولكن بقدر ما يأخذ من الدنيا ينقص من الأجر، الذي يجاهد ولا يغنم أجره كامل، والذي يجاهد فيقتل ويذهب ماله ولا يغنم، ذهبت نفسه وذهب ماله وما غنم، أولئك قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما سُئل من أفضل الشهداء: (( الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك ينطلقون في الغرف العلا من الجنة ويضحك إليهم ربهم وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه ) ) [1] .
فأفضل المجاهدين رجلٌ خرج بنفسه وماله فما عاد منها بشيء، ثم رجلٌ خرج بنفسه وماله فصرف ماله وعاد بنفسه، ثم رجلٌ خرج بنفسه وماله فعاد بنفسه وماله فهذا يؤجر أقل، ثم رجل خرج بنفسه وماله فعاد بنفسه وماله والمال غنمه فهذا يؤجر أقل، وهكذا كل ما أصاب المجاهد من الدنيا نقص من أجره، ولكن ليس حرام ينقص من أجره ويتقوى بها على الجهاد ويتقوى على الطاعة.
(1) الحديث رواه نعيم بن عمار - رضي الله عنه -، قال الشيخ أبو يحيى الليبي في كتاب الأربعين الفي فضل الشهادة وطلب الحسنى وزيادة في الحديث السادس: (رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط ومسند الشاميين، وابن أبي عاصم، وصححه الشيخ الألباني) .