فصاحب الغرفة الاستشارية مثل الطبيب؛ يقول لك هذا الدواء ينفعك في كذا تأخذه ثلاث مرات في اليوم، هو لا يلزمك أن تأخذه ولا يأتِ معك إلى البيت ليرى تأخذه أو لا تأخذه، الذي يتخذ القرار الأب، الذي يأخذ الدواء الولد، الذي وصف الدواء صاحب الاختصاص.
فيجب على الجماعة أن تستكمل الاختصاصات شيئًا فشيئًا، والأولى أن يكون من جماعتك، فإن لم يكن من جماعتك فمن الجماعات الحليفة لك ومن المسلمين الذين يتعاملون معك.
نأتي الآن إلى النقطة الشائكة قضية الشورى واتخاذ القرار، في الجماعات الإسلامية وفي كل الكتب الإسلامية التي بحثت في موضوع الشورى هناك ثلاث طرق متبعة في موضوع الشورى واتخاذ القرار، طريقتان منها مشهورتان:
-القول الأول: يقولون الشورى لازمة وملزمة؛ أي لازم على الأمير أن يستشير وملزمة بالنتيجة بالأكثرية.
-القول الثاني: يقولون الشورى لازمة ومعلمة، فهي فقط للعلم، أي يجب على الأمير أن يعمل شورى ولكنها غير ملزمة له؛ للعلم فقط ثم هو يتخذ القرار.
-القول الثالث: وهو رأي جمهور العلماء كما في كتب الفقه أن الشورى أصلًا غير واجبة ولكنها مستحبة، أي نفس عملية الشورى غير واجبة وأنها ليست لازمة ولا ملزمة، في معظم كتب الفقه النص على أن الشورى مُستَحبّة للأمير إذا أراد أن يستشير، وإذا لم يرد لا يستشير ولا أحد يلزمه، ثم هي بعد أن تحصل إذا حصلت ليست ملزمة له، مثلًا يسأل الناس هل نبدأ القتال؟ يجتمع القيادة فيقولوا كلهم لا، فهو يقول: نعم، ويبدأ القتال.
وأصحاب هذا لقول يستندون إلى أدلة فقهية كثيرة منها أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - استشار الصحابة في أكثر من مرة ولكن كان في آخر الأمر هو الذي يتخذ القرار، والله - سبحانه وتعالى - يقول: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [1] أي شاورهم كلهم ولكن إذا عزمت أنت فأنت توكَّل، أي هو الذي يتخذ القرار.
وكذلك يستدلون أن أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - حين سأل الصحابة في حروب الردّة فقالوا له: لا تقاتل مانعي الزكاة؛ لأن الوضع في المدينة ضعيف، فهو خالفهم واتَّخذ القرار لوحده، وغيرها فهم لديهم أدلة شرعية.
الذين يقولون أن رأي الأغلبية مُلزِم وجدوا في فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه لما أراد أن يستبقي الجيش في أحد في المدينة وخلفه معظم الصحابة ورأوا أن يخرجوا، فهو نزل على رأيهم وخرج. ويستشهدونَ في قصص أخرى للصحابة، تجدوها في كتب الفقه.
ولكن الذي يجب أن نلفت النظر إليه نقاط هامة جدًّا:
(1) آل عمران، 159