ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل: أن الذين أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمشاورتهم ويأتسي به فيه من يلي الأمر من بعده هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقون لله، المقيموا الصلاة، المؤدوا الزكاة، المجاهدون في سبيل الله، الذين قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ليلني منكم أولو الأحلام والنهى"، ليسوا هم الملحدين، ولا المحاربين لدين الله، ولا الفجار الذين لا يتورعون عن منكر، ولا الذين يزعمون أن لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله، وتهدم شريعة الإسلام، هؤلاء و أولئك -من بين كافر وفاسق- موضعهم الصحيح تحت السيف أو السوط، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء.
والآية الأخرى، آية سورة الشورى كمثل هذه الآية وضوحًا وبيانًا صراحة: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [1] } ثم هي ما كانت خاصة بطرق الحكم وأنظمة الدولة، إنما هي في خلق المؤمنين الطائعين المتبعين أمر ربهم أن من خلقهم أن يتشاوروا في شؤونهم الخاصة والعامة، ليكون ديدنهم التعاون والتساند في شأنهم كله، ومجال القول ذو سعة، وفيما قلنا عبرة وعظة وكفاية، إن شاء الله."انتهى كلامه -رحمه الله-. [2] "
عندما توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاءت جموعٌ من الأعراب وكثير من الناس يريدونَ أن يشاركوا في اتخاذ القرار واختيار الخليفة، فنظر عُمَر بن الخطاب - رضي الله عنه - لهؤلاء الناس وقال:"ماذا تريدون؟"قالوا:"جئنا لهذا الأمر."فقال لهم:"ليعد صاحب المحراث إلى محراثه، وصاحب المعمل إلى معمله، إنما الرأي للمهاجرين والأنصار من أهل المدينة والناس بعد ذلك لهم تبع."
وكذلك الناظر لقصة السقيفة وكيف اتخذ القرار فيها، وكيف أن عُمَر بن الخطاب - رضي الله عنه - حَسَمَ الموضوع عندما قال للأنصار منا أمير ومنكم أمير فقام - رضي الله عنه - بترشيح ثم بيعة أبي بكر الصديق يعلم أن النخبة هي التي تتخذ القرار.
فالقول بإلزام الشورى للأمير ليس عليه دليلٌ من الشرع، ولم يقل به أحدٌ من العلماء قبل أن تتسرَّب المبادئ الغربية إلى المسلمين.
فالذي ينظر في كل الأدلة يجد حقيقةً أن الشورى واجبةٌ ولازمة وهذا الذي كنت أقول عند كتابة هذا الكتاب، فوضعت هذا الكلام هنا وقلت أن هذا القول هو الدليل الشرعي، وأن الشورى لازمة وغير مُلزِمة، وأن الأمير يستشير ولكن هو الذي يقرر، خاصةً في العمل العسكري حيث يكون أعضاء الشورى أحدهم في الشرق والآخر في الغرب ويستحيل جمعهم، والعمل سريٌّ فيستحيل في عملٍ عسكري أن تكون الشورى علنية.
(1) الشورى، 38
(2) مختصر تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 432.