فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 137

فهذا حل مشكلة خلافات الرأي، لأن الإنسان يشعر بأنه يساهم في اتخاذ القرار، يساهم في الرأي ولكن بالمقابل له سيئات كثيرة جدًّا؛ لأنه أدى إلى غيار الكفاءة وأصبح الواحد منهم يصل إلى مسئولية لكثرة معارفه ومن يعرف من الناس سواء ًكان لديه القدرة على هذه المسئولية أم لم تكن عنده القدرة على هذه المسئولية، وأيضًا عندما تحدث مشكلة ويتخذ قرارًا خاطئًا فلا يعرف من الذي سبب هذه المشكلة.

هذا الأمر حصل في الجهاد في بلاد الشام في الثمانينات بشكلٍ كبير وعشناه هناك بشكلٍ يومي، كان مجلس الشورى والقيادة العليا يتكون من 24 فردًا ثم ينبثق منهم مكتبٌ تنفيذي؛ قيادة عليا من 8 أشخاص، أعضاء مجلس الشورى ينتخبون هؤلاء الثمانية أشخاص، الثمانية ينتخبوا الأمير، وأحيانًا يجعلوا انتخاب الأمير من مجلس الشورى، وأحيانًا يجعلونه من كل أعضاء التنظيم، ثم أرادوا أن يضعوا ضابطًا لمن يشارك في الانتخابات، قالوا الذي ينتخب يجب أن يكون لديه قدم تنظيمي، وهكذا بدأوا بصياغة قوانين كلها مستمدة من قوانين الأحزاب العلمانية، وقد أدى هذا الأسلوب إلى كثرة المسئولين وتعدد القرار وأصبح اتخاذ قرارٍ مُحَدد أمرٌ صعب ومُتَعَذِّر. الجماعات الجهادية في القرن الماضي معظمها أخذت بالرأي المعاكس باعتبار أن القرار العسكري يحتاج إلى حسم ويحتاج إلى سرعة، فأخذت بأن الشورى لازمة وغير مُلزِمة.

مناقشة القائلين بأن الشورى مُلزِمة:

بالنسبة لي من خلال القراءة في الأدلة الشرعية في موضوع هل الشورى مُلزِمة أو غير مُلزِمة، وجدت أن جمهور العلماء الأقدمون يقررون بأن الشورى غير مُلزِمة ...

الشيخ المُحدث أحمد شاكر -رحمه الله- ساق كلامًا جميلًا جدًّا في هذا الباب فقال: [1]

"وهذه الآية: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} والآية الأخرى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [2] } اتخذها اللاعبون بالدين في هذا العصر -من العلماء وغيرهم- عدتهم في التضليل بالتأويل، ليواطئوا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون الناس بتسميته «النظام الديمقراطي» ! فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعارًا من هاتين الآيتين، يخدعون بها الشعوب الإسلامية أو المنتسبة إلى الإسلام، يقولون كلمة حق يراد بها الباطل، يقولون:"الإسلام يأمر بالشورى"، ونحو ذلك من الألفاظ."

وحقًّا إن الإسلام يأمر بالشورى، ولكن أيُّ شورى يأمر بها الإسلام؟ إن الله سبحانه يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} ومعنى الآية واضحٌ صريح، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل، فهو أمرٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده: أن يستعرض آراء أصحابه الذين يراهم موضع الرأي، الذين هم ألوا الأحلام والنهى، في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراء وموضع الاجتهاد في التطبيق، ثم يختار من بينها ما يراه حقًّا أو صوابًا أو مصلحة، فيعزم على إنفاذه غير متقيد برأي فريق معين، ولا برأي عدد محدود، لا برأي أكثرية، ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما إرتاه.

(1) ساق الشيخ أبو مصعب - فكَّ الله أسره - الكلام بالمعنى وتخلله شرح فنقلنا هنا نص كلام الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله -

(2) الشورى، 38

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت