إذًا قلنا في النقطة الثانية والعشرين أنك لا تعتمد على الجيش وعلى القوى الإسلامية؛ لأنك لن تستطيع السيطرة عليها، وأنت ستذوب بها وليست هي التي ستذوب بك، وهذا لا يكون إلا في المراحل المتأخرة عندما تتأكَّد أنك أنت الذي ستربح هذه الموازنة.
النقطة الثالثة والعشرون:
ضرورة تجنب الصدام المكشوف وحرب التمركز ضد الجيش النظامي:
هذا الأمر من أهم مقاتل العصابات؛ لأن الجيش عادةً يعمل على أن يخرجك إلى الصدام المكشوف في وقتٍ مُبَكِّر حتى تدخل حربَ استنزاف.
قديمًا أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي كان ظالمًا، ومع أنه خليفةٌ شرعي يحكم بما أنزل الله، بعض المسلمين لم يتحملوا منه هذا الظلم فخرجوا عليه، الآن علماؤنا لا يُجيزون الخروج على الحاكم الكافر الذي لا يحكم بما أنزل الله ويتحالف مع الكفار ويقولون لا يجوز هذا خروج عن ولاة الأمر، كان هناك مجموعةٌ من علماء المسلمين ومن سَلَفِ الأُمَّة إذا رأى الجور بَلَغَ حدًّا لا يُطاق ولو كان الحاكم مسلمًا ويحكم بما أنزل الله يعتبره فاقدًا للشرعية يخرج عليه. فالشاهد خرج على أبي جعفر المنصور اثنين من آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أخوين إبراهيم في الموصل ومحمد النفس الزكية في المدينة، وكان إبراهيم متخفيًا يعد وينظم. [1] فأبو جفر المنصور خرج على الأمويين فخرج عليه النفس الزكي، وهو يعلم أنه يَعُدُّ له في الخفاء وأنه قائدٌ وعسكريٌّ ناجح وأنه لو بقي يعد له في الخفاء فترةً طويلة فسيعدُّ قوةً كافية، فأراد أبو جعفر المنصور أن يخرجهم إلى المعركة في وقتٍ مُبَكِّر فأرسل لهم شخصًا من طرفه معروف أنه يُحِبُّ آل البيت ليخدعهم فينغمس بهم، وكانت مَهَمَّةُ هذا الشخص ليست التجسس وليست الحرب، مهمته فقط إقناعهم بالخروج المبكر، فبقي هذا يقنعهم أنه يجب أن يخرجوا وأن الظلم فاحش وكذا إلى آخره، فلما خرج إبراهيم وعلم أبو جعفر المنصور أنه خرج قبل وقته؛ من فرحه أخذ عمامته وألقاها في الهواء وقال أخرجت الضب من جحره؛ الضب في الجحر ما تستطيع تقتله، فهمت؟ فلما أخرجه في وقتٍ مُبَكِّر علم أنه انتصر عليه، وهذه مهمة الدولة أنها تستجرُّك إلى الصدام المكشوف، كيف تستجرك إلى الصدام المكشوف؟ عندها عدة طرق ...
أحداث حماة ... وإجبار النظام العصابات على الصدام المسلح:
أحد آخر الطرق هو ما طبقه النظام السوري النُصيّري في مدينة حماة في بلاد الشام عندما أخرجوا المجاهدين إلى الصِدام المكشوف، اكتشفوا نتيجة القبض على بعض المراسلين -وهذا من عورات القيادة الداخلية والقيادة الخارجية، أن هناك مراسل يتحرك بين القيادة الداخلية والقيادة الخارجية فهو نقطة ضعف التنظيم- فأمسكوا هذا المراسل، فعرفوا أن مركز ثِقل المجاهدين في بلاد الشام هو في مدينة حماة، فكان عليهم أن يعرفوا أين هي المخابئ في المدينة، والمخابئ كانت ضمن البيوت وضمن الدكاكين وضمن الورش
(1) انتهى الملف العاشر وابتدأ الملف الثاني عشر