أنا فاوضت أو تنازلت"قالت:"إن كنت قد خرجت على الحق فاذهب ومُت على ما مات عليه أصحابك، وإن كنت قد خرجت على باطل فقد أهلكت أصحابك وأهلكت نفسك"فقال:"أخشى إن قتلوني أن يُمَثِّلوا بي"، فقالت له:"يا ولدي الشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ"، -هذه امرأة تفهم في السياسة رضي الله عنها-، فقال:"نعم، أردت أن تُثَبتيني"، فَقَبَّلها وخرج. فقاتل الحجاج واحتمى بالكعبة، وقذف الحجاج الكعبة بالمنجنيق فقتل ابن الزبير، فلما أخذوه وصلبوه على باب الكعبة، مرّت أمه تنظر إليه تقول:"أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟"، -يعني يَنزِل من الصلب-، فجاء الحجاج فقال:"هل لك حاجةٌ يا أُمّاه؟"، قالت:"أنا لست أُمُّك، أنا أُم هذا البطل.""
فانظر كيف أمرت ابنها بالثبات وأن لا يلقي السلاح، فأقول إذا رفعت السلاح فلا حلَّ لك؛ إما شهيد أو منتصر، سيعرض عليك في نصف الطريق وقفات من الحكومات ومن العَلمانية ومن التُجّار ومن الممولين ومن كل الناس، يقولون لك:"أنت خرجت تنصر المسلمين ماذا تريدون؟ نحن نعطيك حكم ذاتي ونفتح لهم المساجد نوزع المصاحف ونعطيهم كذا."فإذا كنت خرجت من أجل حكمٍ ذاتي فيمكن أن تحصل عليه بالمفاوضات، وإذا كنت خرجت من أجل أن فتح المساجد وتوزيع المصاحف التي عليها اسم الملك فهد فيمكن أن تحصل عليها بالمفاوضات. الآن ننزل في السعودية يوزعون عليك المصاحف مجانًا، وإذا كنت خرجت من أجل أن تكون هناك حريةٌ للمسلمين فيمكن أن يعطوك هذه الحرية بالقوانين وتتجنب الحرب، أنت خرجت لهدف كبير جدًّا هو استقلال المسلمين عن الكافرين وإخراج الكافرين من بلاد المسلمين وتحكيم شرع الله في هؤلاء المسلمين، فأنت فتحت معركةً وقضية؛ معركةٌ مع الصين حتى تخرج من تركستان، ومعركةٌ مع الأمريكان والغرب حتى لا يحلوا محلها، ومعركةً مع العَلمانيين والقوميين حتى لا يجعلوا الحكم لمخلوق، ومعركة مع المسلمين الذين لم يلتفوا لتكوين خلافةٍ خالصة ... عدة معارك متوالية إذا قضيناها في ثلاثة أو أربعة أجيال نحن وأبناؤنا وأبناء أبناؤنا والذين يلونهم لن تنتهي، فلذلك الذي يريد أن يعمل هذا العمل يفتح صدره ويحمل نفسه وأمنه حلقة في سلسلة يمشي فيها.
هذا الملعون الذي أسس دولة بني إسرائيل ( .. ) لما ابتدأ في سنة 1917م سُئِلَ عن وقت إقامة دولة إسرائيل فقال:"تأخذونها خلال خمسين عامًا"وفعلًا هو مات قبل خمسين عام أي يعرف أنه لن يرى ذلك التاريخ، فالناس أخذوا مشوارًا طويلًا، نحن ندفع ضريبة قرون طويلة من الانهيار ومن النوم ومن تَركِ الجهاد الذي شرَّعه الله - سبحانه وتعالى -، فلا يمكن أن يكون هذا الحل سريعًا، فلا يمكن أن تأتي إلى رجل نخر السوس في عظامه ودخل السرطان في جسمه ودخلت فيه الأوبئة وتريد أن تعالجه بدواء سريع. إذا عندنا جرح غائر تعفَّن ووصل إلى الداخل يحتاج إلى تنظيف وتطهير ... بقدر ما يكون الانهيار كبير بقدر ما يكون الترقيع كبير.
أجدادنا وأجدادكم سقطوا عن الطريق السليم وأسلموا رقابهم للعدو وقالوا: {لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وجُنُودِهِ} [1] ، فدخل عليهم العدو ودفعوا الثمن كبيرًا، كان الشيخ عبدالله عزّام -رحمه الله- يقول:"دخل الروس على المسلمين في القوقاز فبقي الإمام شامل في"
(1) البقرة، 249