الآخر. وتم ذلك فالتقيا وتضاحكوا جميعًا بعد أن ذهبت عن ابراهام وصاحبته ربكة المفاجأة. وكان ذلك اللقاء والخطوة الأولى نحو التئام الصدع واجتماع الشمل؛ إذ اصبح لنكولن يرى حقًا عليه أن يصلح ما افسد وأن يضع حدًا لما هو فيه من ضيق وشقاء
وحدث بعد ذلك أمر غريب في ذاته، على قدر غير قليل من الأهمية من حيث نتيجته: ذلك أن إبراهام، وهو الرجل الذي ملك القلوب بدماثته ورقة حاشيته، قد دخل غير متردد ولا هياب في مبارزة تدور على السيف! وكان لتلك المبارزة سبب يدهش له الإنسان أن كان مبعثه شخص مثل لنكولن! فلقد نشر ابراهام في إحدى الصحف كتابًا على لسان أرملة وجهته إلى أحد رجال السياسة تسفه فيه آراءه التي أذاعها، وكان التهكم لاذعًا والنقد قاطعًا، فأثار الكتاب فضول الناس كما أثار ضحكهم وإعجابهم؛ ووردت على الصحيفة ردود قوامها المجانة والمعابثة وكلها غفلاء من أسماء أصحابها. . . وكان لماري في هذه الردود نصيب. وثارت ثائرة ذلك السياسي وراح في المدينة يتهدد ويتوعد! وجاء صاحب الصحيفة فعنفه وتهدده بالانتقام إلا أن يعرف صاحب هذه المجانة. وعرض صاحب الصحيفة الأمر على لنكولن فقال له في غير وناء ولا استخذاء: إنه يأخذ الأمر على عاتقه، وإنه لذلك في حل من أن يذيع أسمه. وتم ذلك فكانت المبارزة. . . فلقد تحداه ذلك الساسي أن ينازله، وشاع أمر ذلك في الناس فاحتشدوا ليشهدوا ما يكون بينهما. . .
وكان لإبراهام من طوله وفتوته وقوة ساعديه ما يضمن له الفوز على منازله القصير؛ فتناول سيفًا طويلًا ولم يزد - والناس يتطلعون - على أن ضرب به غصنًا فوق رأسه فألقى به بعيدًا. ثم جلس وفي عينيه أنه يريد أن يلقي إليهم حديثًا وراح يحكي ويستجمع الأمثال. . .! وتداخل الناس وسووا ما كان بين المتخاصمين، وأنقلب الجد الصارم إلى فكاهة عابثة
بيد أن للحادث نصيبه من الأهمية؛ فلقد ترك في حياة لنكولن صفحة ظل يندى لها جبينه أبدًا، كما حق لماري أن تتحدث
إلى الناس أن إبراهام ما فعل هذا إلا دفعًا عنها وحفاظًا أن ينالها شيء من غضب ذلك السياسي. وطاب إبراهام بذلك نفسًا. وقربت الأيام بينهما حتى باتا من جديد يأخذان الأهبة للزواج. وما هي إلا أيام حتى ربطهما ذلك الرباط المقدس وهو يومئذ في الثالثة والثلاثين