وفتح مقال الرافعي أبوابًا من القول لطائفة من الأدباء؛ إذ كان فيما ردّ به الرافعي أن كلمة (القتل أنفى للقتل) ليست جاهلية كما يعرف قراء العربية عامة، ولكنها نشأت في العصر العباسي لمثل ما استعملها له الأستاذ القاياتي في معارضة القرآن، واسندها مخترعها إلى حكيم الجاهلية اكثم بن صيفي ليتم له قصده؛ وجاز دعواه على قراء العربية حتى كشف الرافعي عن زيفها بعد ألف سنة!
كان تاريخ هذه الكلمة ميدانًا للقول والمعارضة أيامًا بين الرافعي وبعض الأدباء، ثم لم ينتهي إلى خاتمة؛ إذ كان الذي يعارض الرافعي في موضوعها ليس أهلًا لمناظرته، فلم يلبث أن شعر بالإعياء من أول شوط، فكتب إلى الرافعي رسالة خاصة في البريد يستعفيه ويعتذر إليه أنه مشغول البال بالاستعداد للزواج. . .
وفي هذه الفترة تم إنشاء (المجمع اللغوي) وكان الرافعي يمني نفسه بأن يكون من أعضاءه، فحال بينه وبين ما يتمنى أنه لا يسمع؛ وإن لم يمنعه أن يكون عضوًا في المجمع العلمي العربي بدمشق، وقد اختير له هو والمرحوم حافظ بك إبراهيم قبل ذلك بسنوات، فلم يشهد جلسة من جلساته، ولم يشترك في قرار قرره، ولم يبعث إليه برسالة واحدة في موضوع من موضوعات العلم العربي. . .
وساء رأي الرافعي في المجمع اللغوي من يوم إنشائه، ولم يمنعه من الحملة عليه أنه كان موعودًا بأن يختار فيه عضوًا مراسلًا كما أنبأه صديقه فارس نمر باشا عضو المجمع
وافتتح المجمع، وكان أول محرراته الأدبية برقية بالشكر إلى المرحوم الملك فؤاد
ولقيت الرافعي ذات مساء؛ فإذا هو يرفع إليّ جريدة البلاغ قائلًا: (أقرأ؛ هذا أديب صغير يهاجم المجمع اللغوي في يوم أنشائه، ويزعم أنه لم يستطع أن يكتب برقيه بريئة من الخطأ ليشكر بها منشئه. . .!)
وقرأت، فإذا نقد عنيف، وتهكم مر، وسخريه لاذعة. . . كانت كلمة صغيرة ولكنها ذات شأن، وقد اختار كاتبها أن يكون توقيعه (أديب صغير) مبالغه في السخرية والتهكم. . . وأخذ الكاتب على المجمع بضع غلطات لا ينتبه لمثلها إلا أديب دارس، له في العربية مكان. . .
وقال الرافعي: (ماذا رأيت؟) قلت: (نقدًا مر لا يبلغ به هذا المبلغ على إيجازه إلا أديب