(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا)
القرآن والمسلمون في العهد الأول:
على هذا الأساس آمن الأوائل من المسلمين بالقران، فوضعوه بالمحل الأول من مكانة التقديس والعناية، وسلموا إليه نفوسهم، وتركوه يتصرف فيها بالتزكية والتطهير والتعليم والحكم والسياسة وسائر شئونهم، العامة والخاصة، الداخلية والخارجية، حتى اتسعت أمامهم مسالك الحياة وانفسحت رقعة المملكة الإسلامية طولًا وعرضًا، فما احتاجوا وهم يقبلون القرآن بين أيديهم، ويفهمون آياته الواضحة، وإشاراته الواردة على سنن اللغة العربية القويم، إلى قانون سياسي أو مدني، ولا إلى نظريات الآداب والأخلاق، بل كانوا كلما تقدمت بهم الحياة ونظروا في القرآن، رأوا فيه حاجتهم، واستفادوا منه أكبر ما تطمح إليه النفوس الوثابة المتطلعة إلى عز الدنيا ومجد الحياة!
حصروا نظرهم إلى القرآن في الفهم والاتعاظ وتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي، وأخذوا ينشرون ما يفيضه عليهم من أصول التشريع وقوانين الأخلاق والاجتماع على سائر المسلمين في جميع بقاع الأرض شرقا وغربًا، فوحد القرآن بينهم حول الغاية التي لأجلها نزل. وما كانوا ليتجهوا أو ليحاولوا أن يخرجوا بشيء من آي القرآن كلا أو بعضًا عن هذا النهج: نهج العمل، وتهذيب الخلق، وإصلاح العقيدة
ما فكروا يومًا في أن القرآن يبرئ لهم مريضًا، أو يرد عنهم غائلة عدو، أو يكشف لهم عن معضلة كونية إلا عن طريق ما أمر به من اتخاذ الأسباب، وقدح زناد العقل، والسلوك في الحياة على ما تقتضيه سنة الحياة.
بهذا سار المسلمون الأولون، وعظم سلطانهم، وتربت مهابتهم في قلوب الأمم، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
وبهذا حافظوا على وحدتهم فلم يتفرقوا في العقائد، ولم تشتتهم الأهواء والمذاهب، وسلم لهم دين الله وكتابه خالصين متينين لم تلعب بهما الشهوات، ولم يتطرق إليهما عوامل الأحداث والابتداع
القرآن والمسلمون في العهود التالية