نفسه، والنفس في بعض الأحيان أعدى الأعداء!
فماذا صنع بنفسه، أو ماذا صنعت به نفسه، حتى نزل من الشرف إلى الحضيض؟
أقبل ابن النحاس على تعاطي (الكيف) ، والكيف الذي كان يتعاطاه هو (الأفيون) ، وقد هده الأفيون في شهور أو أعوام، فأمسى جماله طللًا من الأطلال، ولم يكن يحسب لجهله وغفلته أن الجمال دولةٌ تدول.
فإن رأيتم شاعرًا يبكي شبابه الذي ضاع، فاعرفوا أن ابن النحاس كاد يتفرد بالبكاء على الجمال الذي ضاع، وما أضاع جمال هذا الشاعر غير الابتلاء بكيف الافيون، وهو كيف أتى على بناء هذا الشاب الجميل من الأساس، ولننظر كيف يقول:
من يدخل الأفيون بيت لهاتهِ ... فليلق بين يديه نقد حياته
وإذا سمعتم بامرئ شرب الردى ... عزّوه بعد حياته بمماته
ما شأنه وحشاه يؤوى أرقمًا ... لا يستفيق الدهرَ من وثباته
وهذا الشاعر الذي يرى الأفيون ثعبانًا لا تنقطع وثباته الفواتك على الأحشاء هو الشاعر الذي رثي صباه فقال في تصوير ماضيه لعهد الجمال، يوم كان في مثل عمر البدر، ويوم كانت لفتاته لفتات الظبي بين أزهار الرياض:
ونراه إن عبث النسيم بقدِّه ... ينقدَّ شروى الغصن في حركاته
وإذا مشى تيهًا على عشاقه ... تتفطر الآجال من خطراته
يرنو فيفعل ما يشاء كأنما ... مَلكُ المنية صال من لحظاته
حُسْنٌ ولا كيفٌ يخالط ذاته ... والآن صار الكيف بعض صفاته
والكيف حقدٌ إن تشبث بامرئ ... لم يَبْق للرائين غير سِماته
وهو الشاعر الذي أرخ جماله الذاهب فقال:
سقى المزنُ أقوامًا بوعساء رامةٍ ... لقد قُطِّعتْ بيني وبينهم السُّبْلُ
وحيا زمانًا كلما جئت طارقًا ... سليمي أجابتني إلى وصلها جُمل
تودّ ولا أصبو وتوفى ولا أفى ... وأنأى ولا تنأى وأسلو ولا تسلو
إذِ الغُصنُ غصٌ والشباب بمائه ... وجيد الرضا من كل نائبةٍ عطل
ومن خشية النار التي فوق وجنتي ... تقاصرَ أن يدنو بعارضيَ النمل