فهل يرى أن نار وجنته أخافت نمال الشعر حينًا من الزمان فظل أمرد، أسيل الخدين، إلى أن ابتلته المقادير بالأفيون فأمسى جماله تاريخًا من التواريخ
والجمال حلة نفيسة يرفعها الله عمن يجهل قدرها الرفيع، وكذلك كان حظ الشاعر الذي أضاعه الجهل بنعمة الله عليه فلم يؤد زكاة الجمال، وهي الابتعاد عما يوهن الجسم ويشل الروح.
ثم ماذا؟ ثم رحل الشاعر عن الوطن الذي نشأ فيه وهو حلب، بعد أن فضحه الافيون، الافيون الذي أصار جماله رسمًا من الرسوم وطللًا من الأطلال.
5 -وإلى أين؟ إلى دمشق، وهي مدينة سمعت باسمه قبل أن يحل ساحتها الفيحاء، فأقام بها ما أقام بين أيام بيض وأيام سود؛ فقد كان فقيرًا لا يتبلغ بغير ما يجود به أهل الأدب، وكانوا في أغلب أحوالهم فقراء.
ومن دمشق انتقل إلى القاهرة فاتصل بالسادة البكرية، وكانوا كرامًا أجاويد، لا يشعر بينهم بالغربة رجلٌ أديب، وكانت حفاوتهم بالأدباء الوافدين من الشام مضرب الأمثال.
ويظهر أن أيام ابن النحاس بالقاهرة لم تخل من رخاء، فقد اتصل بالقضاة والأعيان، واتصل به الأمل المعسول فمدح سنجق منفلوط، ومعنى ذلك أنه عرف كيف ينتفع بوداد المصريين، وكانوا في ذلك العهد يرعون حقوق الغرباء من أهل الأدب والبيان.
ثم امتدت السن بالشاعر الذي كان له ماض في الجمال فرأى أن ينتقل إلى المدينة ليعيش عيش المجاورين، وهو عيش يليق بمن يلبس ثوب الحداد على جماله الذاهب ذهاب البرق اللامع في أجواز السماء.
وفي المدينة مات، وقد دفن في بقيع الفرقد، بجوار الأكابر من رجال الأدب والدين، فعليه رحمة الله، وألف سلام على روحه الجميل!!
6 -ولكن أين مكان ابن النحاس بين الشعراء؟
لا تظنوه شاعرًا من طبقة أبي تمام أو البحتري أو المتنبي أو الشريف الرضي، فبينه وبين أمثال هؤلاء مسافات أعرض من الصحراء.
ولكنه شاعر من طبقة ابن زريق، وما عاش ابن زريق إلا بقصيدة واحدة هي العينية التي سارت مسير الأمثال.