قال الأستاذ الزيات ذلك. ومضى في مقاله البليغ يؤيده بالحجج، ويضرب له الأمثال، ويهز به النفوس، ويثير به كوامن الشجون؛ ثم قال: (لقد عقدنا الآمال بالأزهر في كل ذلك، فهل عقدناها بلعاب الشمس؟ كانت جماعة كبار العلماء معقد الرجاء ومناط الثقة. . . ولكن برنامج الإصلاح الذي اقترحه شبابها المصلحون، وأقره أقطابها المخلصون، قد أدركته أزمة رجعية توشك أن تخنقه في درج المشيخة؛ فإن عضوًا من الجماعة يوجس منه شرًا: فهو ينسج حوله الشكوك، ويؤلب عليه القوى وقد نجح في ذلك. فهل يجوز في ظن امرئ أن يكون في كبار العلماء من يشتبه عليه الحق والباطل والخير والشر والصلاح والفساد؟ ذلك ما لا نصدقه، ولا نود أن تجري الأمور بما يحققه)
قرأت هذا المقال مثنى وثلاث ورباع، واشتد عليَّ وقعه، وساءني هذا النبأ الهائل الرهيب الذي تضمنه، وقلت لنفسي: هذا يوم له ما بعده! سوف يتكلم الأزهر، وسوف يدفع العلماء عن أنفسهم، وسوف تتحرك الجماعة الموقرة لتثبت للناس أنها سامعة لكل ما يدور حولها، واعية لكل ما يقال عنها، ولكني تلبثت لذلك أسبوعًا، واستظهرت من بعده بأسبوع آخر فلم أجد أحدًا من الأزهريين، رسميين أو غير رسميين، يعرض لذلك بتصحيح أو تكذيب، ولم ألمح في جو الجماعة ما يدل على أنها موشكة أن تجتمع لترى في برنامج الإصلاح رأيها. وقد عنيت في أثناء ذلك أن أستمع إلى أحاديث الناس في الأزهر وغير الأزهر عن هذا الشأن الخطير، فسمعت أحاديث عجبًا!
هذه رواية تقول: أن أشخاصًا معينين قد ألفوا التعويق عن الخير، والتخزيل عن الإصلاح، قد وقفوا من هذا البرنامج موقف المحارب في السر والعلن، وجعلوا يصرحون في مجالسهم بان هذه المقترحات لن تتم أبدا، لون تأخذ طريقها إلى التنفيذ!
وهذه رواية أخرى تنقل عن أحد أعضاء الجماعة عبارة يدأب على ترديدها ويرمي بها في وجوه الناس إذا سألوه فيقول: إن هؤلاء الشبان من أعضاء الجماعة يريدون أن يقلبوا الدنيا وأن يغيروا أوضاع العلم في الأزهر. وأن يفسدوا الدين!
وهذه رواية ثالثة تقول: إن مديرًا من مديري إدارات الأزهر قد ساءه أن تفكر الجماعة في انتزاع إدارته من يده. فأقسم برأس جدوده من الشراكسة: لن يتم هذا البرنامج ولو كان بينه وبين التمام خطوة واحدة