درس علماء العربية وعلماء القراءة والتجويد الأصوات اللغوية دراسة مستفيضة، واعتنوا بتجويد مخارجها وذكر صفاتها، وبحثوا الظواهر الصوتية التي تعرض لها في
الكلام المنطوق. وكان صوت الميم أحد الأصوات التي أخذت جانبا غير قليل من جهودهم. فحدّدوا مخرجها، وذكروا صفاتها، ولم يختلفوا في ذلك، لكنهم حين بحثوا الظواهر الصوتية التي تعتري هذا الصوت في الكلام المنطوق اختلفت عبارتهم وتعددت وجهات نظرهم.
وكان جلّ ذلك الاختلاف يدور حول وصف نطق الميم إذا وقعت ساكنة قبل الباء في مثل قول الله تعالى: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ (28) [النجم] ، فقال بعضهم إن حكم الميم هاهنا الإظهار، وقال بعضهم: إن حكمها الإخفاء، وحاول آخرون التقريب بين المذهبين.
والمتأمل اليوم لأداء قرّاء القرآن يجد أن منهم من يفتح شفتيه عند نطق الميم الساكنة قبل الباء، وهو ما لم أجد له ذكرا في المصادر القديمة لعلم التجويد وعلم القراءات، ومنهم من يطبق شفتيه للصوتين جميعا، وكلا الفريقين يحتج بالرواية والتلقي عن الشيوخ.
ووجدت أن الموضوع به حاجة لعرض والتأمل والفحص، في ضوء حقائق علم الأصوات اللغوية، عسى أن يكون ذلك عاملا لتقريب وجهات النظر وتوحيد صور النطق، إن شاء الله تعالى، هو الموفق والميسر والمعين.