بعد ذلك ما نصه: «وليحترز أيضا من إلصاق اللسان فوق الثنايا عند إخفاء النون، فهو خطأ أيضا، وطريق الخلاص منه تجافي اللسان قليلا عن ذلك» «1» .
وهذا القول يعني أن هناك مذهبين على الأقل في نطق النون المخفاة، في نحو (كنتم) و (أنتم) وما أشبهه، وأن الصواب عند الدمياطي هو المذهب الذي يتجافى فيه طرف اللسان عن اللثة عند نطق النون المخفاة، وأن إلصاق طرف اللسان في أثناء ذلك خطأ، وهذه نتيجة تخالف ما انتهينا إلى ترجيحه في حقيقة نطق النون المخفاة، بناء على الأدلة التي ذكرناها، ومن ثم فإن البت في الأمر في هذا البحث والجزم بصحة أحد المذاهب الثلاثة في إخفاء النون وخطأ المذهبين الآخرين شيء ينبغي اجتنابه، وإنما يمكن أن نرجح، وقد رجّحت المذهب الأول على ما تقدم.
كان علماء التجويد قد لاحظوا أن مقدار تغير صوت النون عند إخفائها لا يكون على درجة واحدة، قال أبو عمرو الدانيّ (ت 444 هـ) وهو يتحدث عن إخفاء النون الساكنة والتنوين: «وإخفاؤهما على قدر قربهما وبعدهما، فما قربا منه كانا عنده أخفى مما بعدا عنه» «2» . وأكّد هذه الفكرة عبد الوهاب القرطبي (ت 461 هـ) بقوله: «إنّ حروف الإخفاء أيضا ترتبت في التوسط فكان فيها أقرب وأبعد، فكان الإخفاء في الأقرب أكثر منه في الأبعد» «3» .
وقد زاد الأستاذ محمد المرعشي (ت 1150 هـ) فكرة تقسيم الإخفاء على مراتب بيانا وتوضيحا، حيث قال: «واعلم أن الإخفاء على ثلاث مراتب يتوقف
(1) إتحاف فضلاء البشر ص 33.
(2) التحديد ص 117.
(3) الموضح ص 171.