وهذه العبارات يكمل بعضها بعضا في تحديد شكل آلة النطق عند إخفاء النون وهو ما يمكن أن نلخصه في ملاحظة أن نطق النون يتكون من عملين هما:
اعتماد طرف اللسان على ما فويق الثنايا (من اللثة) ، وجريان النّفس من الخياشيم، والذي يحدث عند إخفاء النون هي زوال أو بطلان عمل طرف اللسان وانتقال مكان الاعتماد إلى مخرج الصوت الذي تخفى عنده، فيتحرك اللسان حركة واحدة بدلا من حركتين، ففي مثل قولك (من كان) يعمل أقصى اللسان عند النطق بالنون من موضع الكاف، بدلا من عمل طرف اللسان أولا، ثم عمل أقصى اللسان، وهذا هو جانب التخفيف الذي يتحقق من الإخفاء الذي ذكره سيبويه بقوله: «كان أخف عليهم أن لا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة» .
ونحن حين نقرر هذه الحقيقة إنما نستنطق عبارات علماء العربية والتجويد السابقة، محاولين صياغتها على نحو نحرص أن يكون أكثر تحديدا ووضوحا، حتى يمكن في النهاية أن نقدم تعريفا محددا للإخفاء ووصفا واضحا لحالة آلة النطق معه.
أشار عدد من علماء الأصوات العرب المعاصرين إلى ظاهرة إخفاء النون، لكن إشارتهم كانت موجزة غالبا وتفتقر إلى الوضوح في بعض الأحيان، وهذا نص ما قالوه:
1 -قال الدكتور إبراهيم أنيس: «الدرجة التي تلي إظهار النون هي ما اصطلح القدماء على تسميته بالإخفاء، ويكون هذا مع خمسة عشر صوتا عند جمهور القراء، هي: القاف، الكاف، ... الخ، وليس ما سمّوه بالإخفاء إلا محاولة الإبقاء على النون وذلك بإطالتها مما أدى إلى ما نسمّيه بالغنة. هذا إلى أننا نلحظ مع ما يسمونه بالإخفاء ميل النون إلى مخرج الصوت المجاور لها» «1» .
(1) الأصوات اللغوية ص 71 - 72.