أرجو في نهاية هذا البحث أن أكون قد وفّقت في عرض عناصر الموضوع بما يوضح نشأة (علم التجويد) ، ويبين بداياته الأولى، ويحدد موقع القصيدة الخاقانية في ذلك، ويكشف عن الكتب التي ألّفت بعد القصيدة الخاقانية، آملا في أن يكون هذا البحث دافعا للدارسين إلى العناية بهذا العلم في مصادره الأصيلة، لما لهذا العلم من أهمية في دراسة الأصوات العربية، وفي تقويم الألسنة وتصحيح النطق في قراءة القرآن الكريم، وفي ما سواها من وجوه النطق العربي.
ومن الأمور التي أرجو أن يكون هذا البحث منبها عليها هو أن الدراسات الصوتية اللغوية العربية قد أغفلت مصدرا مهما جدا من مصادرها حين أهملت كتب التجويد
وأعرضت عنها، فكتب هذا العلم خاصة القديمة منها غنية بالدراسة الصوتية العميقة الموضحة بالأمثلة التطبيقية الحية من القرآن الكريم.
ويبدو لي أن محققي كتاب «سر صناعة الإعراب» لابن جني مبالغون في زعمهم بأن كتب التجويد لم تزد على ما عند النحويين من الدراسة الصوتية إلا شيئا يسيرا، فقد قالوا، وهم يتحدثون عن أثر الدراسة الصوتية التي قام بها الخليل وسيبويه وابن جني، في فروع الثقافة العربية «1» : «وكذلك صنع أصحاب الأداء القرآني (التجويد) ، فقد نظموا لهم دراسات وقواعد، اشتقوها من دراسات الخليل وتلاميذه، ومن دراسات الكوفيين، وألفوا في ذلك كتبا كثيرة، مطولة ومختصرة، يقبل الناس على التعلم منها، كيف يؤدون تلاوة القرآن أداء صحيحا، وسموا دراساتهم هذه علم التجويد، ولكنهم لم يزيدوا على أصول قواعد الأصوات شيئا، وإنما زادوا شيئا يسيرا في التفاصيل، كما أشار إليه المستشرق برجستراسر في كتابه «التطور النحوي» .
ونص عبارة برجستراسر التي أشاروا إليها هي «2» : «وقد كان علم الأصوات
(1) مقدمة تحقيق سر صناعة الإعراب 1/ 14 - 15.
(2) التطور النحوي للغة العربية ص 5.