في بدايته جزءا من أجزاء النحو، ثم استعاره أهل الأداء والمقرءون، وزادوا فيه تفصيلات كثيرة مأخوذة من القرآن الكريم» «1» .
ومع الاعتراف الكامل بالفضل للخليل وتلميذه سيبويه في وضع أسس الدراسة الصوتية العربية، ومع الاعتراف للنحويين من بعدهما في مواصلة هذا النوع من الدراسة، خاصة أبا الفتح عثمان بن جني، الذي ألّف في ذلك كتابا مستقلا، هو «سر صناعة الإعراب» ، ومع اعتراف علماء التجويد أنفسهم بأنهم يعتمدون في كثير من القضايا الصوتية على دراسات النحويين، إلّا أنه لا ينبغي إغفال دور علماء التجويد في احتضان هذه الدراسة وإغنائها بكثير من الملاحظات بما صيّرها علما مستقلا، موضوعه دراسة الأصوات العربية بصورة عامة، وتطبيق تلك الدراسة على ألفاظ القرآن بصورة خاصة.
علماء قراءة القرآن هم الذين جعلوا هذه المباحث الصوتية علما مستقلا اسمه (علم التجويد) ، وظل هذا العلم علما تطبيقيا حيّا، وكان له أكبر الأثر في المحافظة على النطق العربي الفصيح طيلة قرون كثيرة، أما النحويون بعد الأجيال الأولى منهم فقد ذوت في كتبهم جذوة الدراسة الصوتية، وتخلوا عنها تدريجيا، حتى صارت أثرا بعد عين.
والكتاب الوحيد الذي ألّفه واحد من النحويين في مجال الأصوات هو كتاب «سر صناعة الإعراب» ، لابن جني، الذي قدّم فيه دراسة جيدة للأصوات العربية، ولكنه في الواقع كتاب تختلط فيه الدراسة الصوتية بالدراسة الصرفية والنحوية، وربما طغت هذه على تلك في أحيان كثيرة. ويمكن أن نذكر هنا أيضا رسالة (أسباب حدوث الحروف) لأبي علي بن سينا، لكن ابن سينا كان طبيبا وفيلسوفا،
(1) لاحظ الفرق بين عبارة المحققين (وإنما زادوا شيئا يسيرا في التفاصيل) وعبارة برجستراسر (زادوا تفصيلات كثيرة مأخوذة من القرآن الكريم) على أن كلمة برجستراسر ليست هي الفصل في ما نحن بصدده- على الرغم من جهوده الكبيرة في الدراسات القرآنية- وإنما ساقنا إلى إيرادها استشهاد المحققين بها مع تحريفهم إياها عن قصدها.