ولم يكن نحويا، وكان منهجه في معالجة الموضوع غير منهج النحويين، وعبارته كانت غير عبارتهم.
يجب علينا- إذن- أن نحتفل بكتب علم التجويد، ونقف عندها، ونطيل الوقوف، فما أحوج الناطقين بالعربية- اليوم- إلى معرفة هذه الكتب ودراستها، حتى تقوّم هذه الألسنة المعوجّة، والسلائق المنحرفة، وإني واثق كل الثقة أن في تلك الكتب أشياء كثيرة نافعة نحتاج إليها اليوم، وإني بهذه المناسبة أنبّه دارسي الأصوات العربية إلى كتب مثل: «الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة» لمكي بن أبي طالب، و «التحديد في الإتقان والتجويد» لأبي عمرو الداني، و «التمهيد في علم التجويد» لأبي الخير محمد بن الجزري.
وإذا أردت أن تعجب مما أحدثك عنه من أهمية هذا العلم وأهمية كتبه فدونك كتاب «جهد المقل» لمحمد المرعشي، المشهور بساجقلي زاده (ت 1150 هـ- 1737 م) ، و «بيان جهد المقل» الذي كمل به المرعشي كتابه الأول، واقرأ فيهما ستجد دراسة صوتية لغوية محضة، دقيقة وعميقة، ولا يصدّنك عن هذين الكتابين ما تراه من تأخر وفاة مؤلفهما إلى الفترة التي يحلو للبعض أن يصفها بالفترة المظلمة، إنّ هذه الفترة إذا كانت قد شهدت تدهور أوضاع المسلمين وانحسار سلطانهم وقوتهم في كثير من بقاع الأرض فإنها لم تخل من عالم نابه ولا من بحث أصيل، كما أنها لم تخل من مصلحين رواد، ولا من أبطال أفذاذ.
كتاب «جهد المقل» وصنوه «بيان جهد المقل» هما غاية ما وصل إليه علم التجويد دقة وعمقا، فيما اطلعت عليه وقرأت فيه من كتب هذا العلم، على أهمية الكتب القديمة الأولى، وعلوّ قدرها. وإن مما يميز ذينك الكتابين ما ذكره المؤلف في مقدمة «جهد المقل» من قوله «1» : «فعملت فيه رسالة محتوية على عامة مسائله، بعبارات سهلة، خالية من مسامحات المصنفين، رجاء أن ينشرح
(1) جهد المقل ورقة 1 و.