الإخفاء» «1» . وكذلك حذّروا من مد الحركة التي قبل الحرف المخفى، فقال الشيخ زكريا الأنصاري (ت 926 هـ) : «وينبغي أن تنظر إلى ما قبل الحرف المخفى من الحركات فلا تخرجه عن حدّه نحو (كنتم) فلا تمدّ الضمة عند إخفاء النون، لئلا يتولد منها واو، فتبقى (كونتم) » «2» .
وكلام علماء التجويد عن مراتب إخفاء النون يثير قضية تنوع صوت إخفاء النون بحسب الصوت الذي تخفى عنده، ومعنى ذلك أن للنون المخفاة عددا من الصور الصوتية بناء على هذا التفسير، وهو أمر سوف نناقشه في الفقرة الآتية.
ذكر سيبويه مخرجا للنون وآخر للنون الخفيفة، على نحو ما مرّ، وهذا أمر لا يلزم منه أن سيبويه يقول إن النون المخفاة صوت واحد، وأقوال العلماء التي نقلناها حول مراتب الإخفاء تشير إلى أن صوت النون المخفاة يتنوع تبعا للصوت الذي تخفى عنده، وهو ما يظهر في نطق جمهور أهل الأداء الذين يلتزمون المذهب الأول في نطقهم للنون المخفاة، وهو المذهب الذي رجحناه من قبل أما من يأخذ بالمذهب الثالث في نطقه فيظهر أن النون المخفاة عنده هي صوت واحد لا يتغير جرسه بتغير الصوت الذي تخفى النون عنده، وهو مذهب نحسبه مخالفا لأقوال العلماء السابقين وغير منسجم مع قوانين علم الأصوات، ومتناقض مع نطق جمهور القراء.
ولا يجد الناظر في كلام علماء العربية والتجويد المتقدمين حول إخفاء النون ما يشير إلى محاولتهم حصر أنواع النون المخفاة، على الرغم من معرفتهم بتعدد أشكال هذا الصوت، وسار كثير من دارسي أصوات العربية من المعاصرين
(1) جهد المقل ص 261.
(2) تحفة نجباء العصر ص 61، وينظر: الدمياطي: إتحاف فضلاء البشر ص 33.